فارس الاحزان
10-12-2007, 12:56AM
الإشكناز هم الأقلية العرقية والحضارية المسيطرة على الحكومة والجيش والأحزاب والاقتصاد، وعلى الوجه الحضاري العام في دولة الاحتلال، وهو ما يسبب حالة اغتراب شديدة لليهود الشرقيين (السفارد)، ويعمق الفوارق الاجتماعية بين الجماعات اليهودية في المجتمع الصهيوني.
وكلمة " إشكناز" مشتقة من "إشكنازيم" العبرية التي تشير إلى اسم أحد أحفاد نوح (عليه السلام) حسب الرواية التوراتية، ثم أصبحت تطلق على يهود فرنسا وألمانيا ونسلهم من اليهود الذين هاجروا إلى إنجلترا وشرق أوروبا (بولندا وليتوانيا).
والإشكناز أساسًا هم يهود شرق أوروبا (روسيا، بولندا) الذين يتحدثون اليديشية (وهي ألمانية العصور الوسطى بعد أن دخل عليها بعض المفردات السلافية والعبرية، وتكتب بحروف عبرية)، ويذكرون عادة مقابل كلمة سفارد بحث تترادف كلمة إشكنازي مع كلمة غربي، وأما الثانية فهي مرادفة لكلمة شرقي، وهو ترادف خاطىء؛ لأن كثيرًا من يهود الشرق (الفلاشا وبني إسرائيل) ليسوا من السفارد، ومما يزيد الأمور اختلاطًا أن الحسيديين، وهم من أشد اليهود إشكنازية - إن صح التعبير - تبنوا بعض الممارسات الدينية السفاردية في محاولة لتأكيد استقلالهم عن المؤسسة الحاخامية الإشكنازية.
أصول الإشكناز
ينتسب معظم اليهود الغربيون "الإشكناز" إلى شعوب الخزر التي اعتنق حكامها وقادتها اليهودية في القرن التاسع الميلادي، وكان الخزر جزءًا من الشعوب التركية الغربية في آسيا الوسطى، وهي الشعوب التي كانت تستوطن ما يعرف اليوم بدول وأقاليم أوزبكستان وأذربيجان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وكزاخستان، وتركستان في الصين، وقد هاجرت إلى ما يعرف اليوم بتركيا في القرن الثاني عشر الميلادي، وما يليه بعد إسلامها، وفي حروبها مع الدولة البيزنطية، ونجحت الدولة التركية عام 1453 في القضاء على بيزنطة، واحتلال عاصمتها القسطنطينية (إسطنبول) التي صارت عاصمة ومركز الدولة التركية ورمزها أيضًا.
ثم حصل الخزر على استقلال كامل، وأقاموا دولة خاصة بهم، وكانوا يقومون بهجرات وغارات باتجاه الشرق حتى وصلوا أوروبا الشرقية، واستقروا فيها في القرن الحادي عشر الميلادي.
وهناك مقولات ونظريات تاريخية كثيرة حول شعوب الخزر، وأهمها الدراسات العربية والعبرية والصينية القديمة، ولكنها في مجملها تدور حول تحولات وتواريخ هجرة هذه الشعوب والأقاليم التي استوطنتها، وتختلف في التاريخ الزمني، وإن كانت متفقة في جوهرها على أن هذه الشعوب بدأت تنتشر بينها اليهودية بعد اعتناق أحد ملوكها لليهودية، وكانت في غاراتها وهجراتها متجهة من الشرق (وسط آسيا) إلى الغرب (شمال غرب آسيا وشرق أوروبا)، واستطاع الخزر في هجراتهم، وحروبهم أن يسيطروا على أراض واسعة في حوض بحر قزوين والبحر الأسود، ويزيحوا الشعوب الأخرى نحو الشمال والغرب.
كان الخزر كما ذكر الإصطخري تتوزعهم الديانات المسيحية والإسلامية واليهودية وغيرها، وإن كان ملكهم (خاقان الخزر) من اليهود، ولم تكن تعقد الخاقانية إلا لمن يعتنق اليهودية، وظلت دولة الخزر تعتبر يهودية مستقلة، كما في المصادر العربية المتعددة، مثل ابن رستة، والمسعودي، وابن فضلان، وابن حوقل، والإصطخري.
ولا تبتعد المصادر اليهودية كثيرًا عن المصادر العربية في التأريخ للتحول اليهودي لشعوب الخزر، ففي كتاب يهودا هاليفي الخزري أن ملك الخزر تحول إلى اليهودية سنة 740م، بعد رؤيا رآها، وربما كان يخوض حوارًا ذاتيًا وبحثًا عن الحقيقة أدى به إلى اليهودية.
وكان الخزر أكثر قوة من جميع جيرانهم، وكانوا في مراحل من التاريخ يعتبرون القوة الثالثة بعد الإمبراطورية البيزنطية والخلافة الإسلامية، ومع ذلك فقد زالوا من الوجود، وانتهت دولتهم، واضمحل شأنهم، وربما يعود سبب ذلك إلى غياب التماسك الديني والثقافي، فقد كانت دولة الخزر تديرها طبقة حاكمة من اليهود، وأما شعوبها فكان أغلبها من المسلمين والمسيحيين والوثنيين.
وكان المد الإسلامي في طبيعته الثقافية والسلمية والاستيعابية يمثل عملية هضم بطيئة وصعبة المراس تكاد تستحيل مقاومتها، فتحولت الخزر بدولها وشعوبها إلى جزء من الأمة الإسلامية، كما حدث للترك والمغول والتتار والأفارقة والآسيويين والهنود وسائر الشعوب والبلاد التي اتصلت بالإسلام، فمن المعلوم أن أكثر من 80% من المسلمين وأقاليم العالم الإسلامي تحولت إلى الإسلام بفعل التأثير الثقافي الحضاري والعلاقات التجارية والطبيعة الاستيعابية المتسامحة للعرب كشعب وأمة، والإسلام كدين وثقافة.
وكانت روسيا إقليمًا يتبع عمليًا الخزر، وإن لم تكن جزءًا من دولتهم، وقد ظلت روسيا تمثل ضغطًا مستمرًا ومتواصلاً على دولة الخزر بسبب الحلم الروسي التاريخي والأسطوري الذي ما زال مهيمنًا حتى اليوم على الاستراتيجية الروسية في الهيمنة أو النفاذ إلى المياه الدافئة في الجنوب.
وكانت القوافل التجارية الروسية التي تستخدم نهر الفولغا أو المناطق البرية تحتاج دائمًا إلى التفاهم والتعاون مع دولة الخزر التي تتحكم بالطرق والأقاليم المجاورة لروسيا، وبدأت روسيا تخطط للسيطرة على الأراضي والأنهار والجبال لتؤمن تجارتها وتحمي أحلامها الإمبراطورية التوسعية.
وفي مرحلة من مراحل العداء بين الخزر والمسلمين سمحت دولة الخزر للقوات الروسية بالتغلغل في أراضيها ومياهها، وقبلت دولة الخزر بمرور الأسطول الروسي المكون من خمسمائة سفينة عبر بحر قزوين للإغارة على مناطق المسلمين وقوافلهم مقابل نصف الغنائم، وكان العرض مغريًا للخزر، لكنه بعد فترة من الزمن أدى إلى سيطرة عسكرية حاسمة روسية على بلاد الخزر، ثم إلى غزو عسكري روسي شامل على بلاد الخزر، ونهب مدنهم وتدميرها في أواخر القرن العاشر الميلادي.
وأعاد الخزر تحالفاتهم من جديد باتجاه المسلمين، فساعدهم الخوارزميون في دحر الروس، ولكنهم وقعوا تحت تأثير ثقافة الإسلام ومده الواسع فتحولوا عبر الزمن إلى الإسلام، وصارت بلاد الخزر أقاليم إسلامية وبقيت دولة الخزر بعد القرن العاشر حوالي مائتي سنة، ولكنها لم تعد قوية مؤثرة، وظلت كيانًا سياسيًا لليهود.
وبقي كثير من اليهود الخزر على يهوديتهم، وظهرت في القرن الثاني عشر الميلادي حركات يهودية تحاول إعادة تجميع اليهود في الأرض المقدسة، وتحقيق الرؤية اليهودية القديمة.
ويبدو أن الضعف السياسي والعسكري الذي أصاب الخزر فتح المجال للحركات والتنظيمات اليهودية وتطوير التواصل اليهودي عبر العالم لأجل تجميع اليهود، وإنشاء كيان لهم بديل لضعف دولة الخزر، أو يعوض ضعفها وتراجعها.
وجاء صعود دولة السلاجقة في القرن الحادي عشر الميلادي، ثم الدولة التركية العثمانية التي هي امتداد لها، وقد بدأت هذه الدولة في حرب مع الخزر الذين كانت دولتهم لا تزال قائمة على ضفاف الفولغا وفي أنحاء من بحر قزوين.
ولكن يبدو أن يهود الخزر تحولوا سريعًا إلى جزء من الدولة السلجوقية والتركية، وانتشروا واستوطنوا المجر وهنغاريا وبولندا وأنحاء واسعة من أوروبا الشرقية ووسطها مصاحبين أو مستفيدين من التوسع التركي العثماني.
ومن المؤكد أن الخزر لم يكونوا عرقًا واحدًا أو ينتمون إلى قبيلة معينة، ولكنهم تجمع سياسي وعسكري من الشعوب والقبائل، وكانت اليهودية التي تجمع دينيًا بين قادتهم ونخبهم الحاكمة والمؤثرة، فكان اليهود الخزر ينتمون إلى أعراق وشعوب وقبائل متعددة، فقد كانوا هم أيضًا تجمعًا نخبويًا يشمل قيادات ونخب الخزر أنفسهم.
ويغلب على الدراسات التاريخية أن تنسب يهود الإشكناز إلى الخزر، ولكن قد يكون أيضًا كثير من الإشكناز من الأوروبيين الأصليين، وليس فقط من الخزر، فالمعلومات والمصادر التاريخية المتاحة لا تكفي لتأكيد مقولة حصر انتساب الإشكناز إلى الخزر، ولكن المؤكد هو أنهم ليسوا من بني إسرائيل.
السيطرة على المجتمع الصهيوني
وما يعرف بالمسألة اليهودية في أوروبا كان أساسًا مسألة يهود شرق أوروبا من الإشكناز، وقد ظهرت جميع الحركات الفكرية اليهودية الحديثة في صفوفهم أيضًا: حركة الاستنارة اليهودية، واليهودية الإصلاحية، اليهودية المحافظة، قومية الدياسبورا، وأخيرًا الصهيونية التي بدأت كحركة إشكنازية تهدف إلى تأسيس دولة إشكنازية، لكن يهود الشرق والعالم الإسلامي وبقايا السفارد هاجروا إليها.
وبمجرد أن بدأت موجات الهجرة الجماعية لليهود السفارديم في التدفق على (إسرائيل) بعد عام 1948، وبدأت معها المؤسسات الإسرائيلية ذات السيطرة الإشكنازية في ممارسة عمليات التذويب القهري، والإجبار الثقافي في محاولة مستميتة منهم لنزعهم (أي السفاردين) من هويتهم اليهودية الشرقية، وسلخهم عن ماضيهم، وبذلك حكمت بالموت على الهوية الثقافية اليهودية السفاردية ذات الطابع الشرقي، ورأت أنه يجب التخلص منها، وأن تحل محلها الهوية الإسرائيلية الجديدة ذات الطابع العلماني الغربي.
وتمارس السلطات الإسرائيلية (الإشكنازية) سياسة الاضطهاد الثقافي ضد اليهود السفارديم: ليس في المناهج الدراسية فحسب وإنما في جميع نواحي الحياة; مثل: الإذاعة الصوتية والإذاعة المرئية والأدب والمسرح...إلخ.
وتصور هذه الوسائل الإعلامية اليهود السفارديم كأنهم بدائيون، لا يملكون أية سمات حضارية عدا الفلكلور الخاص بهم، وتحاول طمس هويتهم الشرقية; سعيًا نحو فرض الثقافة الإشكنازية ذات الطابع الغربي لخلع التراث الشرقي عن اليهود السفارديم، ولدفعهم قسرًا نحو مسيرة التحديث، وتمثل النموذج الأوروبي الغربي، والتخلي عن الطابع اليهودي المغرق في تدينه وعزلته؛ لأنه يذكرهم بصورة اليهودي البائس الذليل في حواري الجيتو الكئيب!.
وقد قامت عملية القمع الثقافي والتذويب القهري تجاه الجماعات اليهودية غير الإشكنازية في دولة الاحتلال على محورين رئيسين: الأول: مسح الهوية الثقافية لهذه الجماعات، بدفعهم طوعًا أو كرهًا للتخلي عن هويتهم ونبذ عاداتهم وكراهية تقاليدهم المتوارثة ونسيان جذورهم الثقافية. الثاني: إعادة التشكيل القسري لهوياتهم، وفيها يتربون بمختلف وسائل الترغيب والترهيب على تبنى النمط الإشكنازي العلماني.
وعلى الصعيد الديموجرافي في الوقت الراهن رفع قدوم الروس إلى دولة الاحتلال منذ بداية عقد التسعينيات من نسبة الإشكناز، حيث كانت أغلبية القادمين الجدد من الإشكناز، بحيث أصبحت الخريطة الديموجرافية لليهود الإسرائيليين في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كالتالي: 37.4% من السفارديم.مولودون في (إسرائيل)، 35% إشكناز و27.6% من السفارديم.
للباحث المصري / منتصر الأنصاري
وكلمة " إشكناز" مشتقة من "إشكنازيم" العبرية التي تشير إلى اسم أحد أحفاد نوح (عليه السلام) حسب الرواية التوراتية، ثم أصبحت تطلق على يهود فرنسا وألمانيا ونسلهم من اليهود الذين هاجروا إلى إنجلترا وشرق أوروبا (بولندا وليتوانيا).
والإشكناز أساسًا هم يهود شرق أوروبا (روسيا، بولندا) الذين يتحدثون اليديشية (وهي ألمانية العصور الوسطى بعد أن دخل عليها بعض المفردات السلافية والعبرية، وتكتب بحروف عبرية)، ويذكرون عادة مقابل كلمة سفارد بحث تترادف كلمة إشكنازي مع كلمة غربي، وأما الثانية فهي مرادفة لكلمة شرقي، وهو ترادف خاطىء؛ لأن كثيرًا من يهود الشرق (الفلاشا وبني إسرائيل) ليسوا من السفارد، ومما يزيد الأمور اختلاطًا أن الحسيديين، وهم من أشد اليهود إشكنازية - إن صح التعبير - تبنوا بعض الممارسات الدينية السفاردية في محاولة لتأكيد استقلالهم عن المؤسسة الحاخامية الإشكنازية.
أصول الإشكناز
ينتسب معظم اليهود الغربيون "الإشكناز" إلى شعوب الخزر التي اعتنق حكامها وقادتها اليهودية في القرن التاسع الميلادي، وكان الخزر جزءًا من الشعوب التركية الغربية في آسيا الوسطى، وهي الشعوب التي كانت تستوطن ما يعرف اليوم بدول وأقاليم أوزبكستان وأذربيجان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وكزاخستان، وتركستان في الصين، وقد هاجرت إلى ما يعرف اليوم بتركيا في القرن الثاني عشر الميلادي، وما يليه بعد إسلامها، وفي حروبها مع الدولة البيزنطية، ونجحت الدولة التركية عام 1453 في القضاء على بيزنطة، واحتلال عاصمتها القسطنطينية (إسطنبول) التي صارت عاصمة ومركز الدولة التركية ورمزها أيضًا.
ثم حصل الخزر على استقلال كامل، وأقاموا دولة خاصة بهم، وكانوا يقومون بهجرات وغارات باتجاه الشرق حتى وصلوا أوروبا الشرقية، واستقروا فيها في القرن الحادي عشر الميلادي.
وهناك مقولات ونظريات تاريخية كثيرة حول شعوب الخزر، وأهمها الدراسات العربية والعبرية والصينية القديمة، ولكنها في مجملها تدور حول تحولات وتواريخ هجرة هذه الشعوب والأقاليم التي استوطنتها، وتختلف في التاريخ الزمني، وإن كانت متفقة في جوهرها على أن هذه الشعوب بدأت تنتشر بينها اليهودية بعد اعتناق أحد ملوكها لليهودية، وكانت في غاراتها وهجراتها متجهة من الشرق (وسط آسيا) إلى الغرب (شمال غرب آسيا وشرق أوروبا)، واستطاع الخزر في هجراتهم، وحروبهم أن يسيطروا على أراض واسعة في حوض بحر قزوين والبحر الأسود، ويزيحوا الشعوب الأخرى نحو الشمال والغرب.
كان الخزر كما ذكر الإصطخري تتوزعهم الديانات المسيحية والإسلامية واليهودية وغيرها، وإن كان ملكهم (خاقان الخزر) من اليهود، ولم تكن تعقد الخاقانية إلا لمن يعتنق اليهودية، وظلت دولة الخزر تعتبر يهودية مستقلة، كما في المصادر العربية المتعددة، مثل ابن رستة، والمسعودي، وابن فضلان، وابن حوقل، والإصطخري.
ولا تبتعد المصادر اليهودية كثيرًا عن المصادر العربية في التأريخ للتحول اليهودي لشعوب الخزر، ففي كتاب يهودا هاليفي الخزري أن ملك الخزر تحول إلى اليهودية سنة 740م، بعد رؤيا رآها، وربما كان يخوض حوارًا ذاتيًا وبحثًا عن الحقيقة أدى به إلى اليهودية.
وكان الخزر أكثر قوة من جميع جيرانهم، وكانوا في مراحل من التاريخ يعتبرون القوة الثالثة بعد الإمبراطورية البيزنطية والخلافة الإسلامية، ومع ذلك فقد زالوا من الوجود، وانتهت دولتهم، واضمحل شأنهم، وربما يعود سبب ذلك إلى غياب التماسك الديني والثقافي، فقد كانت دولة الخزر تديرها طبقة حاكمة من اليهود، وأما شعوبها فكان أغلبها من المسلمين والمسيحيين والوثنيين.
وكان المد الإسلامي في طبيعته الثقافية والسلمية والاستيعابية يمثل عملية هضم بطيئة وصعبة المراس تكاد تستحيل مقاومتها، فتحولت الخزر بدولها وشعوبها إلى جزء من الأمة الإسلامية، كما حدث للترك والمغول والتتار والأفارقة والآسيويين والهنود وسائر الشعوب والبلاد التي اتصلت بالإسلام، فمن المعلوم أن أكثر من 80% من المسلمين وأقاليم العالم الإسلامي تحولت إلى الإسلام بفعل التأثير الثقافي الحضاري والعلاقات التجارية والطبيعة الاستيعابية المتسامحة للعرب كشعب وأمة، والإسلام كدين وثقافة.
وكانت روسيا إقليمًا يتبع عمليًا الخزر، وإن لم تكن جزءًا من دولتهم، وقد ظلت روسيا تمثل ضغطًا مستمرًا ومتواصلاً على دولة الخزر بسبب الحلم الروسي التاريخي والأسطوري الذي ما زال مهيمنًا حتى اليوم على الاستراتيجية الروسية في الهيمنة أو النفاذ إلى المياه الدافئة في الجنوب.
وكانت القوافل التجارية الروسية التي تستخدم نهر الفولغا أو المناطق البرية تحتاج دائمًا إلى التفاهم والتعاون مع دولة الخزر التي تتحكم بالطرق والأقاليم المجاورة لروسيا، وبدأت روسيا تخطط للسيطرة على الأراضي والأنهار والجبال لتؤمن تجارتها وتحمي أحلامها الإمبراطورية التوسعية.
وفي مرحلة من مراحل العداء بين الخزر والمسلمين سمحت دولة الخزر للقوات الروسية بالتغلغل في أراضيها ومياهها، وقبلت دولة الخزر بمرور الأسطول الروسي المكون من خمسمائة سفينة عبر بحر قزوين للإغارة على مناطق المسلمين وقوافلهم مقابل نصف الغنائم، وكان العرض مغريًا للخزر، لكنه بعد فترة من الزمن أدى إلى سيطرة عسكرية حاسمة روسية على بلاد الخزر، ثم إلى غزو عسكري روسي شامل على بلاد الخزر، ونهب مدنهم وتدميرها في أواخر القرن العاشر الميلادي.
وأعاد الخزر تحالفاتهم من جديد باتجاه المسلمين، فساعدهم الخوارزميون في دحر الروس، ولكنهم وقعوا تحت تأثير ثقافة الإسلام ومده الواسع فتحولوا عبر الزمن إلى الإسلام، وصارت بلاد الخزر أقاليم إسلامية وبقيت دولة الخزر بعد القرن العاشر حوالي مائتي سنة، ولكنها لم تعد قوية مؤثرة، وظلت كيانًا سياسيًا لليهود.
وبقي كثير من اليهود الخزر على يهوديتهم، وظهرت في القرن الثاني عشر الميلادي حركات يهودية تحاول إعادة تجميع اليهود في الأرض المقدسة، وتحقيق الرؤية اليهودية القديمة.
ويبدو أن الضعف السياسي والعسكري الذي أصاب الخزر فتح المجال للحركات والتنظيمات اليهودية وتطوير التواصل اليهودي عبر العالم لأجل تجميع اليهود، وإنشاء كيان لهم بديل لضعف دولة الخزر، أو يعوض ضعفها وتراجعها.
وجاء صعود دولة السلاجقة في القرن الحادي عشر الميلادي، ثم الدولة التركية العثمانية التي هي امتداد لها، وقد بدأت هذه الدولة في حرب مع الخزر الذين كانت دولتهم لا تزال قائمة على ضفاف الفولغا وفي أنحاء من بحر قزوين.
ولكن يبدو أن يهود الخزر تحولوا سريعًا إلى جزء من الدولة السلجوقية والتركية، وانتشروا واستوطنوا المجر وهنغاريا وبولندا وأنحاء واسعة من أوروبا الشرقية ووسطها مصاحبين أو مستفيدين من التوسع التركي العثماني.
ومن المؤكد أن الخزر لم يكونوا عرقًا واحدًا أو ينتمون إلى قبيلة معينة، ولكنهم تجمع سياسي وعسكري من الشعوب والقبائل، وكانت اليهودية التي تجمع دينيًا بين قادتهم ونخبهم الحاكمة والمؤثرة، فكان اليهود الخزر ينتمون إلى أعراق وشعوب وقبائل متعددة، فقد كانوا هم أيضًا تجمعًا نخبويًا يشمل قيادات ونخب الخزر أنفسهم.
ويغلب على الدراسات التاريخية أن تنسب يهود الإشكناز إلى الخزر، ولكن قد يكون أيضًا كثير من الإشكناز من الأوروبيين الأصليين، وليس فقط من الخزر، فالمعلومات والمصادر التاريخية المتاحة لا تكفي لتأكيد مقولة حصر انتساب الإشكناز إلى الخزر، ولكن المؤكد هو أنهم ليسوا من بني إسرائيل.
السيطرة على المجتمع الصهيوني
وما يعرف بالمسألة اليهودية في أوروبا كان أساسًا مسألة يهود شرق أوروبا من الإشكناز، وقد ظهرت جميع الحركات الفكرية اليهودية الحديثة في صفوفهم أيضًا: حركة الاستنارة اليهودية، واليهودية الإصلاحية، اليهودية المحافظة، قومية الدياسبورا، وأخيرًا الصهيونية التي بدأت كحركة إشكنازية تهدف إلى تأسيس دولة إشكنازية، لكن يهود الشرق والعالم الإسلامي وبقايا السفارد هاجروا إليها.
وبمجرد أن بدأت موجات الهجرة الجماعية لليهود السفارديم في التدفق على (إسرائيل) بعد عام 1948، وبدأت معها المؤسسات الإسرائيلية ذات السيطرة الإشكنازية في ممارسة عمليات التذويب القهري، والإجبار الثقافي في محاولة مستميتة منهم لنزعهم (أي السفاردين) من هويتهم اليهودية الشرقية، وسلخهم عن ماضيهم، وبذلك حكمت بالموت على الهوية الثقافية اليهودية السفاردية ذات الطابع الشرقي، ورأت أنه يجب التخلص منها، وأن تحل محلها الهوية الإسرائيلية الجديدة ذات الطابع العلماني الغربي.
وتمارس السلطات الإسرائيلية (الإشكنازية) سياسة الاضطهاد الثقافي ضد اليهود السفارديم: ليس في المناهج الدراسية فحسب وإنما في جميع نواحي الحياة; مثل: الإذاعة الصوتية والإذاعة المرئية والأدب والمسرح...إلخ.
وتصور هذه الوسائل الإعلامية اليهود السفارديم كأنهم بدائيون، لا يملكون أية سمات حضارية عدا الفلكلور الخاص بهم، وتحاول طمس هويتهم الشرقية; سعيًا نحو فرض الثقافة الإشكنازية ذات الطابع الغربي لخلع التراث الشرقي عن اليهود السفارديم، ولدفعهم قسرًا نحو مسيرة التحديث، وتمثل النموذج الأوروبي الغربي، والتخلي عن الطابع اليهودي المغرق في تدينه وعزلته؛ لأنه يذكرهم بصورة اليهودي البائس الذليل في حواري الجيتو الكئيب!.
وقد قامت عملية القمع الثقافي والتذويب القهري تجاه الجماعات اليهودية غير الإشكنازية في دولة الاحتلال على محورين رئيسين: الأول: مسح الهوية الثقافية لهذه الجماعات، بدفعهم طوعًا أو كرهًا للتخلي عن هويتهم ونبذ عاداتهم وكراهية تقاليدهم المتوارثة ونسيان جذورهم الثقافية. الثاني: إعادة التشكيل القسري لهوياتهم، وفيها يتربون بمختلف وسائل الترغيب والترهيب على تبنى النمط الإشكنازي العلماني.
وعلى الصعيد الديموجرافي في الوقت الراهن رفع قدوم الروس إلى دولة الاحتلال منذ بداية عقد التسعينيات من نسبة الإشكناز، حيث كانت أغلبية القادمين الجدد من الإشكناز، بحيث أصبحت الخريطة الديموجرافية لليهود الإسرائيليين في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كالتالي: 37.4% من السفارديم.مولودون في (إسرائيل)، 35% إشكناز و27.6% من السفارديم.
للباحث المصري / منتصر الأنصاري