محمودالبدوي
05-12-2007, 10:57PM
الحلقه التاسعه :
نساء أوروبا
وجاء في محضر استجواب خديجة زهران.
اسمك بالكامل . . وعمرك . . ؟
خديجة عبد الله زهران – 38 عاماً.n
جنسيتك . . ؟
أردنية الأصل وأحمل هوية لبنانية. صاحبة محل لوارnللملابس في بيروت.
كيفتعرفت بأمينة المفتي . . ؟
تعرفت عليها عندما جاءت لتبتاع ملابس لها، ومنnلهجتها عرفت أنها أردنية مثلي.
كيفتوطدت علاقتكما . . ؟
كانت تزورني دائماً بالمحل وتحولنا الى أصدقاء.n
هلتعرفت من خلالك بالمدعو مارون الحايك . . ؟
لا . . بل بمانويل عساف وهو الذي عرفها بالحايك.n
وماسبب ذلك. . ؟
كانت بحاجة الى تليفون بشقتها، فطلبت من مانويلnمساعدتها لأنه موظف بالمصلحة.
هلكان مانويل عشيقاً لك وقتها . . ؟
لا . . كانت زوجته زبونة لمحلي . . وكان يجيء معهاnأحياناً فتعرفت عليه.
وكيف تطورت بينكما العلاقة الى جنس . . ؟
طلبت مني أمينة ذلك لإسكاته عنها.n
كيفذلك . . ؟
كان يغار من الحايك ويغتاظ لأنها فضلته واتخذتهnعشيقاً.
هلكنت على علم بنشاط أمينة التجسسي منذ البداية . . ؟
لا . . لم أكن أعرف . . ومانويل هو الذي أخبرني بذلكnأثناء سكره.
لماذا لم تبلغي السلطات الأمنية بالأمر . . ؟
أردت استغلال أمينة مادياً لأنني كنت مدينة بمبلغnكبير للبنك.
وكيف حدثت المواجهة بينكما . . ؟
كنا بشقتي عندما فاتحتها بما قاله مانويل، ولأنهاnتعلم جيداً بتعثراتي المالية . . أنكرت، وأخرجت دفتر الشيكات وأعطتني شيكاً بثلاثةآلاف ليرة على سبيل القرض.
كمكانت ديونك للبنك . . ؟
حوالي ستة عشر ألفاً.n
وهلثلاثة آلاف ليرة تكفي لإسكاتك . . ؟
وعدتني بخمسة آلاف أخرى، وعرضت علي الشراكة دونnالإدارة.
قالت أمينة أنك مارست معها الجنس مرات كثيرة.
لا . . لا . . هي التي جرتني لأفعل معها ذلك لكيnتضمن سكوتي.
كيفولماذا. . ؟
قبلما أطلق من زوجي الثاني كنت أشكو لها عدم ارتياحيnمعه. وذات يوم طلبت مني أن أزورها بشقتها، ولما ذهبت اليها تكلمنا عن الجنس، وأخذتتغريني بأن نفعل معاً كما تفعل النساء في أوروبا. وبعد عدة لقاءات في شقتها فوجئتبها تهددني بأفلام صورتها لي معها ومع مارون الحايك . وطلبت مني أن أعطيها عشرينألف ليرة، وإلا فستفضحني أمام زوجي وأهلي.
ثمماذا . .
قبلت قدميها أرجوها ألا تفعل، ولما أصرت هددتها بأنnأخبر السلطات الأمنية عما ذكره مانويل، فسخرت مني وقالت: سأفضحك إن لم تجيئينيبالنقود مساء اليوم. لقد كانت تعرف أسرتي، وتعلم بأن والدي وأخويّ متدينونوسيقتلونني حتماً إذا ما رأوني في تلك الأوضاع المخلة. ولما عجزت عن إقناعها طلبتمني أن أعمل معها بأجر. وأن مهمتي تتلخص في مصادقة النساء المتزوجات من ضباطفلسطينيين، واستدراجهن للخوض في السياسة والأسرار العسكرية.
وهلوافقت هكذا بسهولة . . ؟
لا . . ابتعدت عنها لعدة أيام لأفكر، وكنت على وشكnإبلاغكم لكنها حاصرتني وهددتني بقسوة، فاضطررت الى إعلان موافقتي لإسكاتها.
جامبون
كيفبدأت العمل معها . . ؟
شرحت لي طريقة التعرف بالنساء الفلسطينياتnومصادقتهن، ومكثت معي بالمحل عدة أيام لتراقبني.
كمزوجة فلسطينية تعرفت بها. . ؟
لست أدري . . ربما أكثر من أربع عشرة زوجة. "يوجدnسرد طويل لأسماء ومعلومات مختلفة".
كمليرة حصلت عليها لقاء عملك . . ؟
سبعة آلاف . . أو ثمانية.n
هلالتقيت بأحد من أعوانها من الأجانب . . ؟
مرة واحدة. جاء أحدهم ليتسلم مظروفاً كبيراً تركتهnأمينة.
ماذا كان به. . ؟
لا أدري . . فقد كان مغلقاً بالسوليتيب، ولم تخبرنيnأمينة عما به.
هلكان عربياً . . ؟
لا . . إنه أجنبي ولهجته فرنسية.n
ماذا قال لك. . ؟
قال لي كلمة السر المتفق عليها: جامبون. "وهو اسمnشائع يطلق على لحم فخذ الخنزير المحفوظ".
وكيف تعرفت عليه . . ؟
كان يدخن البايب وله شارب دوجلاس أصفر، وقد أخبرتنيnأمينة عن أوصافه مسبقاً.
هلتعرفين أبو ناصر . . ؟
أعرف زوجته سندس ولم أره أبداً.n
كيفنشأت علاقة أمينة به . . ؟
جلبت لها رقم تليفونه في صيدا من زوجته.n
ولماذا رغبت أمينة في التعرف اليه . . ؟
لأن زوجته أخبرتني الكثير عن بطولاته وعملياتهnالفدائية في الجنوب، واهتمت أمينة بمصادقته.
متىأخبرتك أمينة بأن "أبو ناصر" ضالع معها في التجسس . . ؟
لم تخبرnتي عن ذلك، وإنما أكدت لي بأن الضابطالفلسطيني "وطني أكثر من اللازم".
هلصدقتها . . ؟
نعم . . فقد كانت تكرهه، وتطلب مني دائماً استدراجnزوجته في الحديث لمعرفة أخباره.
انتهت اعترافات خديجة زهران، حيث أدلت بأدق تفاصيلعلاقتها بأمينة المفتي، وبزوجات الضباط الفلسطينيين في بيروت. أما مارون الحايكالمذعور فقد أوضح الكثير عن ملابسات علاقته بأمينة، وعثر ببيته على قائمة طويلةتحوي الأرقام السرية لتليفونات قادة المنظمات الفلسطينية، إضافة الى ملف كبير يتضمنخلاصة تجسسه على تليفوناتهم خلال فترة اعتقال أمينة. فقد كان يود تقديمه لزعيمتهعند عودتها لتمنحه آلاف الليرات، وتغرقه في بحر النشوة عدة ليال. أما الشيء العجيبحقاً فقد وقع بين أيدي رجال المخابرات الفلسطينية، وشريط تسجيل أخفاه مارون بجيبسري بإحدى الحقائب، لمحادثة تليفونية كاملة بين علي حسن سلامة وأبو داود، وفيهاتفاصيل كثيرة عن أمينة المفتي المعتقلة آنذاك ببيروت، هذا الشريط لم يقم مارونبتفريغه أو الاستماع اليه، ولو أنه كان قد فعل ذلك لأدرك الخطر وهرب بجلده ومعهشريكاه. لكنه اعترف بأن هذا الشريط هو الوحيد الذي لم يفرغ وعندما قام بتسجيله كانمنهمكاً في التنصت على مكالمة أخرى بين ياسر عرفات ونايف حواتمة.
وبانتهاء التحقيق مع خديجة زهران ومارون سلما الىالسلطات اللبنانية لمحاكمتهما، طبقاً لقانون العقوبات الذي عُدل في 28 يناير 1975،وجاءت مواده الجنائية مائعة وغير رادعة.
أما أمينة المفتي .. فقد امتنع الفلسطينيون عن تسليمهاللبنانيين، حيث قرروا لها مصيراً آخر، ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية اللبنانيلمحكامتها. وأمام الرفض التام لذلك . . اضطر الوزير لنسيان الأمر برمته. فقد كانيدرك بأن هناك نهاية مأساوية تنتظر عميلة الموساد على أيدي الفلسطينيين. وعلى ذلك . . ظلت الجاسوسة العربية مقيدة بكهف السعرانة، يفتك بها الرعب ويغلفها الهلع . . !!
الموت البطيء
وحدها، انكمشت أمينة في محبسها بكهف السعرانة تنتظرالموت مع كل لحظة، يحاصرها إحساس بالخيبة بعدما أفلت مارون وخديجة من براثنالفلسطينيين، وتولت أمر محاكمتهما السلطات اللبنانية أمام محاكمها المختصة. لقدكانت تدرك عن قناعة أن زعامتها للشبكة هو سبب بقائها بالكهف دونهما، وبالتالي فإنمصيرها المجهول بين أيدي الفلسطينيين سيكون أشد قسوة وشراسة، لكنه على أية حال لايساوي أبداً مع بشاعة جرمها. فبرغم اعترافاتها التفصيلية بالتجسس لحساب الموساد،إلا أنها أخفت عنهم الكثير من الأسرار، بالطبع هي أسرار بالغة الأهمية ستزيد ملفهاتخمة، وقطعاً سينقلب اعتقاد الفلسطينيين في كونها جاسوسة كانت ضحية مغامرة عاطفية،الى جاسوسة عدوانية ترى في خيانتها نوعاً من الانتقام والتشفي، ذلك لأنها لم تنسيوماً مدى كراهيتها الشرهة للفلسطينيين، تلك الكراهية التي يحملها القوقازيون فيالأردن لهم. فهي شركسية من سلالة هؤلاء الذين فروا من جبال القوقاز الى الوطنالعربي، وكانت أسرتها تعمل في خدمة الملك حسين، شأنها في ذلك كشأن القوقازيين الذينيعملون في جيشه، واشتبكوا مع الفلسطينيين في حرب ضروس عام 1970، فاعتبرهمالفلسطينيون أعداء لهم، وهاجموا الأحياء التي يقطنوها فتبادلا الشعور بالكراهيةتجاه بعضهم البعض. هكذا بدت كراهية أمينة للفلسطينيين ذات جذور، وهكذا أينعتمشاعرها وهي تهدي إسرائيل معلومات لا تقدر بثمن عن تحركاتهم ومخازنهموعملياتهم.
وخلا ملف الاعترافات من توصلها لأسرار مخازن الهلالالأحمر التي يديرها شقيق ياسر عرفات، ففي هذه المخازن كانت تخبأ الأسلحة الخفيفة،والأسلحة المضادة للصواريخ في صناديق المهمات الطبية، مما جعلها دائماً عرضةللعمليات الجوية الإسرائيلية بناء على وشاياتها. . وأخفت أمينة أيضاً سر اختطافإسرائيل لطائرة الخطوط الجوية اللبنانية "الشرق الأوسط" في 10 أغسطس 1973، وإجبارهاعلى الهبوط في تل أبيب فقد كانت هي التي أبلغت الموساد بوجود جورج حبش على متنها،لكن حبش كان قد أصيب بأزمة قلبية منعته من ركوب الطائرة. . وقتها . . تأكدللفلسطينيين أن هناك اختراقاً إسرائيلياً لمنظماتهم، وجرى مسح شامل لمئات الأشخاصدون جدوى. ولم تكن أمينة في ذلك الوقت قد وقعت في دائرة الشك، فقد كانت مشبعة بثقةالفلسطينيين، حيث تعمدت ألا تظهر عداء مبالغاً فيه للصهيونية، وفي مناسبات مختلفةكثيراً ما عبرت عن رأيها في حق إسرائيل في امتلاك الأرض أيضاً. فأبعد ذلك التصرفالشكوك من حولها، فأي عميل إسرائيلي سيبذل ما بوسعه ليبدو عدواً لدوداً للصهيونية. لذا غادرت بيروت في حذر في جولة تفقدية، واستطاعت أن تمد الموساد بصور لمراكب وسفنالصيد واللنشات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والراسية بمينائي صيدا ورأس شكافي الجنوب والشمال، والتي كانت معدة للعمليات الهجومية البحرية، ومكنت إسرائيل بذلكمن تدمير ثلاثين قطعة منها في عملية انتقامية، وجاء ذلك بعد هجوم منظمة فتح البحريعلى المدينة الساحلية "نهاريا" عام 1974.
كل تلك الأسرار جاءت مفصلة بمذكرات أمينة المفتي التينشرت في إسرائيل فيما بعد، فأضفت على جاسوسة الموساد هالة من الأساطير صعدت بها الىآفاق الخوارق، ونسبت اليها عمليات وهمية مختلفة عن اكتشافها مؤامرة لاغتيال الساداتبوساطة الليبيين عام 1976، مهدت الطريق لكامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وكانت أمينةوقتذاك مكبلة بالجنازير الى الحائط داخل كهف السعرانة في جنوب لبنان، تنتظر نهايتهاالمرتقبة كالموت البطيء.
أحلام . . ورصاص
وما أن نشرت الصحف اللبنانية نبأ القبض على أمينةالمفتي وأفراد شبكتها، حتى ارتجت جنبات الموساد بشارع كيريا بتل أبيب. وبدأت فيالحال تخطيطاً لاستعادة العميلة الأسطورية. فتاريخ الموساد الطويل يسرد لنا عشراتالقصص التي انتهت باسترداد جواسيسها، الذين اكتشف أمرهم وكانوا على قيد الحياة. ولهذه القاعدة تبرير منطقي وهو أن إنقاذ أي عميل يرفع الروح المعنوية للعملاءالآخرين، ويشجع الرجاء والنساء على القيام بعمليات ومهام خطيرة أخرى. ولأنالفلسطينيين يدركون ذلك جيداً، رأى عرفات أن الإبقاء على أمينة بكهف السعرانة أمرضروري حتى يحين الوقت المناسب لتقرير مصيرها النهائي، نابذاً بذلك رغبة علي حسنسلامة في إعدامها.
فقد كانت لعرفات رؤية مستقبلية بعيدة المدى، تنحصر فيالتربث لبعض الوقت، ومبادلتها بشخصيات فلسطينية بسجون إسرائيل. لكن سلامة الذي بداغير قانع كان يرى في قتلها فوزاً أكيداً، إذ سيصاب عملاء إسرائيل في لبنان بالذعر،وبالتالي يسهل كشف العديد منهم إن لم يسارعوا بمغادرة بيروت. ولما فشل في إقناععرفات بوجهة نظره، اضطر الى السكوت وكبح اندفاعة الشباب عنده. وبذلك ظلت أمينةحبيسة الكهف الجبلي، ترسخ في قيود الذل دون محاكمة، أو بصيص من أمل في النجاة. وفيذات الوقت الذي أدين فيه مارون الحايك بالحبس ثلاثة أعوام، وبعام واحد لرفيقتهخديجة زهران – "راقب معي ميوعة الحكم في قانون العقوبات اللبناني . . !!"
– نسجت أمينة المفتي خيوط شبكتها حول أحد حراسها،وأوهمته بأنها بريئة مما نسب اليها، وأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية في عمهاالذي يشغل منصباً حساساً في البلاط الملكي الأردني، حيث تصور لهم أنه كان أحدالمحرضين لمذابح أيلول الأسود. وبعد عدة أشهر – في مايو 1976 – كان غسان الغزاوي قداقترب كثيراً من أمينة، وتعاطف مع محنتها الى الحد الذي دعاه للتفكير في تخليصها منالسجن، وإن استدعى منه ذلك الهرب بها الى إسرائيل. لقد انقلبت نوبتجيته في الحراسةالى جلسة غرام تصطخب بالمشاعر والأمنيات. فكانت أمينة تمنحه جرعات متصاعدة منالأشواق واللهفة، تطيح بعقله وتعبث به الى دنيا جديدة من أوهام التمني. ولأنه نجارخائب لا يجيد صنعته، عاش سني حياته الثلاثين في حالة حرب دائمة مع الحياة بحثاً عنعيشة رغدة مريحة، لكن هيهات أن يراها كسول مثله، أوقف خبرته عند حد معين لم يستطيعتجاوزه، فتقهقرت إرادته وانزوى منسياً بين جدران جحره الرطب بمخيم الرشيدية في صور،يجرع الجوع واليأس ناقماً على حظه وعلى الدنيا كلها.
إن فاشلاً مثله استعبده الفقر والجهل السهل جداًإغواؤه والسيطرة عليه مادياً أو عاطفياً، فهو في الأصل لا يمكن أن يكون مؤمناًبقضيته أو مستوعباً لرسالة الكفاح من أجلها، ذلك لأنه أرجع فشله الى كل تلك الظروفالتي تحيط به وبشعبه. ووطن نفسه على أنه مجرد ضحية لا ذنب له لكي يعيش معدماًشريداً، يفتقد أبسط مظاهر الحياة وأقلها ترفاً. هكذا قرأته أمينة وتخللت إليه فيسهولة ما أيسرها على متخصصة في علم النفس مثلها، وأغوته بمكذوب العواطف تصبها صباًفي أذنيه، فأذابته تماماً وهو المحروم اللاهث خلف الأحلام، وترقب عن كثب انسكابمقاومته الخائرة، واستفحال رغبته في تخليصها أملاً في حياة هنيئة بإسرائيل. فكانتهي بذلك أول عميلة للموساد على الإطلاق، تجند حارسها في السجن للفرار بها الى خارجحدود الدولة. وجاء بمذكراتها فيما بعد أنها كانت تنوي النجاة بنفسها فقط، وتركه علىالحدود يواجه مصيره وحده مع الفلسطينيين، حيث ستحال الأساطير في إسرائيل عن قصةهروبها العبقرية. لكن خابت أحلامها في المجد والتكريم.
وخابت أحلامه أيضاً في الثراء والنعيم، عندما أفضىبسره الى أحد رفقاء فقره في المخيم، فأبلغ السلطات الفلسطينية عنه وتمت مراقبته،وضبط وهو يحاول إدخال بزة عسكرية الى الكهف لترتديها أمينة أثناء الهرب. وانتهتأحلام الخائن برصاصات أخترقت صدره في أكتوبر 1976، وبتضعيف القيود الحديدية بأيديالخائنة ورجليها، وشدها الى الحائط مصلوبة وبأقل قدر من الطعام والشراب، الى أنتقيحت أطرافها المختنقة بالقيود، وعمل معول الهزال بجسدها كما يعمل معول النحاتالماهر بمادته الصخرية، فعاشت ذابلة كالموتى لا يميزها عنهم سوى ارتعاشة الأطراف،وزوغان حدقتين لا تبصران إلا الخوف والظلام . . !
أقصى درجات الأمن
مرت خمس سنوات منذ اعتقلت أمينة المفتي، وفي نوفمبر منعام 1979 تحديداً، نشطت تحركات الصليب الأحمر الدولي، وتكثفت الاتصالات معالفلسطينيين من أجل مبادلتها. وكان العرض الاسرائيلي هزيلاً قياساً بجواسيس آخرين،فقد أبدوا رغبتهم في مبادلتها بفلسطيني واحد، شريطة ألا يكون متهماً بقتلإسرائيليين من المدنيين أو الجنود. فرفض عرفات العرض الاسرائيلي، واشترط لمبادلتهاالإفراج عن اثنين من أشهر الفدائيين الفلسطينيين بمعتقل عتليت، وهما: محمد مهديبسيسو المولود عام 1941 في غزة والمحكوم عليه بالمؤبد لقيامه بعملية فدائية بواسطةزورق عام 1971، وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الاسرائيليين.
ووليم نصار المولود عام 1942 في القدس، والمحكوم عليهبالمؤبد أيضاً لقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968 بالقدس.
لكن الرد الفلسطيني قوبل بتعنت إسرائيلي شديد، وأسرممثل الصليب الأحمر لعرفات بأن أمينة لا تساوي شيئاً عند الاسرائيليين، فهميصنفونها على أنها مجرد خائنة لوطنها، باعت دينها وأهلها من أجل نزوة، ومن المستحيلأن تخلص تماماً لإسرائيل أو تدين بها بالولاء. وذكره الممثل الدولي بما حدث للمهندسالسويسري الفريد فرانكشت الذي أدين بالسجن ثماني سنوات عام 1971، عندما تبين أنهأمدّ إسرائيل بعدة أطنان من تصميمات الطائرات الفرنسية ميراج 3، بعد تجنيده لأسبابأيديولوجية تتعلق بعقدة الذنب، وعندما أفرج عنه بعد أربع سنوات ونصف السنة، قررالسفر لإسرائيل لحضور الاحتفال بإنتاج الطائرة "كافير" – النموذج المعدل من الميراج 3 – فرفضت الموساد أن تدفع ثمن تذكرته من سويسرا، وقوبل في إسرائيل بتجاهل تام،وشعر أنه تعرض للنسيان والتخلي عنه، ذلك أن مهمته انتهت ولم يعد ذا شأن. لكن عرفاتلم يأبه لذلك. ولم يتراجع قيد أنملة عن مطلبه، وصرح لممثل الصليب الدولي أنه يتعرضلضغوط شديدة للموافقة على إعدام أمينة المفتي. وأنه طالما تفرض إسرائيل الاستجابةوالمرونة، فقد يوافق على إعدامها أمام شاشات التليفزيون لتكون عبرة لكل من يفكر فيالتعامل مع الموساد. وعندها، أصيب رئيس الموساد إسحاق حوفي (1974 – 1982) وكبارمساعديه بالذعر. فإعدام أمينة على الملأ أمام العدسات أمر خطير من شأنه إصابةجواسيس الموساد في البلاد العربية بالهلع وبالشلل، وقد يتسبب في تعطيل عمل شبكاتعملائها المذعورين التي أنفق عليها ملايين الدولارات، مما يهدد تدفق سيل المعلوماتالحيوية التي تعتمد عليها إسرائيل، سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وكان قرار إسحاقحوفي النهائي تلبية مطلب الفلسطينيين على أن يترك لمنظمة الصليب الأحمر العالميةحرية اختيار الدولة التي ستتم عملية المبادلة على أرضها وتحت حمايتها، بما يضمنالحيلولة دون وقوع كارثة قد يفكر بها الفلسطينييون.
وعلى ذلك . . نشطت المنظمة العالمية في اتصالاتها،ورفضت حكومة إيطاليا واليونان وبلغاريا وفرنسا التدخل، بينما وافقت حكومة تركياورومانيا وقبرص على تأمين الحماية التامة للطرفين فوق أراضيها وفي أجوائها، وتعهدتجميعاً بتوفير أقصى درجات الأمن لإتمام عملية المبادلة بسلام. من جانبها أعلنتمنظمة التحرير الفلسطينية ترحيبها واختيارها لدولة قبرص، وأعلنت إسرائيل موافقتهاعلى قبرص أيضاً، شريطة تدخل ممثل عن الأمم المتحدة لضمان الأمن، فأغضب الشرطالإسرائيلي القبارصة الذين اعتبروه "عدم ثقة" في قدراتهم على تحمل المسؤولية كاملة. لكن السفير الاسرائيلي في قبرص تقدم باعتذاره في الأول من فبراير 1980 وأبدى ثقتهفي السلطات القبرصية مشيداً بالعلاقات الحميمة بين البلدين وبالمصالح المشتركةبينهما. ولم يمض سوى يوم واحد حتى أعلن وزير الداخلية القبرصي، بأنه قد تحدد يوم 13فبراير 1980 موعداً لعملية التبادل على أرض مطار لارنكا الدولي، وإغلاق المطار أمامالملاحة الدولية ابتداء من الساعة 14.00 حتى الساعة 2.50 (!!)
قراءة سريعة
تخضع عمليات تبادل الجواسيس أو الأسرى بين الدوللقياسات معقدة، تحددها الملابسات السياسية وظروف العلاقات بين الدول في حالاتالسلم، وتكون أكثر تعقيداً في حالات الحرب والتناحر. وقد شهدت المنطقة العربيةحالات تبادل عديدة وفريدة مع إسرائيل، كان أبطالها جواسيس عباقرة وعسكريون. حيث جرىالتبادل أحياناً في سرية تامة وتعتيم إعلامي، وأحياناً أخرى صابحه ضجيج الإعلام علىالملأ. وأشهر عمليات التبادل كانت بعد نكسة يونيو 1967 عندما تمت مقايضة الجاسوسالصهيوني ولفجانج لوتز بعدد ضخم من العسكريين المصريين الأسرى. وقد ادعت إسرائيلفيما بعد أن ثمن لوتز كان خمسة آلاف أسير مصري، رغبة في الدعاية لجواسيسها وإعلاءلشأنهم. أما جاسوسة الموساد المصرية انشراح علي موسى التي أدينت بالإعدام شنقاً هيوزوجها إبراهيم سعيد شاهين في 25/11/1974، فقد أمر السادات بمبادلتها في صفقة سريةبمصريين وعرب في إسرائيل، كان وراءها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي وذلك قبلزيارة السادات لتل أبيب، في مداعبة سياسية مقصودة للتمهيد لمعاهدة السلام في كامبدايفيد. أما الأشهر على الإطلاق في عمليات التبادل الفاشلة . . والعلنية، فكانتلمقايضة إيلي كوهين – كامل أمين ثابت – سيد جواسيس الموساد في سوريا، وأسطورةالموساد الذي لم يخلفه أحد عبقرية وذكاء. حيث رفضت سوريا وساطات أكثر من 84 رئيسدولة ومنظمة عالمية للإفراج عنه، مقابل ملايين الدولارات ومئات الأسرى السوريين فيمعتقلات إسرائيل، ونفذ فيه حكم الإعدام شنقاً أمام عدسات التليفزيون على الهواءمباشرة في 18 مايو 1965، وأبقى جثمانه معلقاً هكذا لأربعة أيام فوق المشنقة التيأعدت له خصيصاً بساحة المرجة في دمشق. وفي 21 فبراير 1973 وقعت حادثة لم تتكررأبداً من قبل، عندما حاولت إسرائيل اختطاف الطائرة التي تقل عميلة الموساد هبة عبدالرحمن سليم عامر، التي استدرجت من باريس الى بني غازي بواسطة المخابرات المصرية ،وطارت بها الطائرة الى القاهرة لمحاكمتها. لقد عمدت الموساد الى التشويش على أجهزةالطائرة الملاحية ففقدت اتجاهها. وعندما اكتشف الطيار أنه يطير فوق سيناء اتجهبأقصى سرعته ناحية القناة، متجاهلاً إصرار طائرات الجو الاسرائيلية على الهبوطبطائرته في إسرائيل. فيفقد الاسرائيليون صوابهم ويفجرون الطائرة بركابها في الجو،معتقدين بأنهم قتلوا عميلتهم قبلما تعترف. لكن صدموا بشدة عندما اكتشفوا بأنهمأسقطوا الطائرة الليبية البوينج 747 بطريق الخطأ وأن طائرة هبة سليم الحقيقيةاستخدمت ممراً جوياً غير معلوم.
تلك لمحات مختصرة عن أشهر قصص عمليات المبادلاتوالعروض والقتل، التي وقعت أحداثها بين مصر وسوريا وإسرائيل. ولم تكن هناك سابقةواحدة لعملية تبادل بين الاسرائيليين والفلسطينيين. لذلك . . كانت الأعصاب متوترةومجهدة، فإسرائيل تخشى غدر الفلسطينيين بهم على أرض مطار لارنكا، ويشهد تاريخهمالطويل في الكفاح وخطف الطائرات على أنهم رجال ذوو بأس . . وإصرار . . أماالفلسطينيون . . فقد وضعوا تاريخ إسرائيل الدموي نصب أعينهم . . وتوقعوا مذبحة بشعةستدور أحداثها في قبرص.
الدور الطاهر
في المكتب الفرعي لمنظمة التحرير الفلسطينية في صيدا،اجتمع المدير بالضابط الفلسطيني الموفد من الرئاسة في بيروت، حيث أطلعه على تفاصيلحياة أمينة المفتي في محبسها الانفرادي بكهف السعرانة وكان الضابط يصغي اليهباهتمام ليستكمل النقاط التي يريدها فمهمته كخبير في الشؤون المعنوية تتطلب منه ذلكخاصة . . والوقت يمضي سريعاً بعدما وافقت المنظمة على الموعد المحدد في لارناكا. وبعد الاجتماع انطلقت السيارة الجيب العسكرية تقل الضابط الى كهف السعرانة.
كان الطريق المتعرج الضيق قد نحتت أجزاء منه من الجبل،فيستقيم منحدراً أحياناً ثم يلتوي فجأة في صعود والتفاف حول الجبل. ومن بعيد . . بدا الكهف الموحش كنقطة سوداء في بطن الجبل السامق، وكلما اقتربت السيارة شوهد جنودالحراسة المشددة بأسلحتهم الأوتوماتيكية في حالة التأهب. وكانت الأكمنة المتحركةتزيد الأمر حساسية واهتماماً، حتى يخال للبعض أن بالمنطقة مفاعلاً نووياً سرياً. وعندما دلف الضابط الى الكهف، كانت الإضاءة القوية تكشف دهليز الفوهة وتظهر ملامحالوحشة وغموض الطبيعة. وفي نهاية أحد الممرات . . تكورت كومة من عظام . . شدتأطرافها الأربعة بالجنازير. اقترب منها الضابط متفحصاً، فرمقته بنظرات تفيض رعباً . . لكن وجهه الهادئ سكّن بعض الخوف لديها، وحاولت أن تستقرئ ما جاء لأجله ففشلت . . وتملكها ألف هاجس وهاجس . . وأطرقت الى الأرض ثم همدت أنفاسها قليلاً وقالت في صوتخفيض كأنه جاء من قرار:
هل حان وقت الإعدام . . ؟ اقترب منها الضابط أكثروأكثر، لكي تصلها كل كلماته وقال:
سنطلق سراحك بعد أيام . . وستعودين الى إسرائيل مرةأخرى.
ارتعدت أطرافها المقيدة فارتج بدنها كله، وجحظت عيناهاالغائرتان في تحفز لما يقوله الضابط الذي أردف:
بعد عشرة أيام من الآن ستكونين حرة في إسرائيل، ويجبأن تكوني على يقين من أننا لم نعاقبك ولم نؤذك بقدر ما أذيتنا. فنحن أناس مسالمونسعدنا بوجودك ذات يوم بيننا، ووثقنا بك بلا حدود على اعتبار أنك عربية . . مخلصة،وعن حب فتحنا لك قلوبنا . . وكل أبوابنا الموصدة في وجه الآخرين، وما تطرق إليناالشك فتسببت بفعلتك في مقتل عشرات الأبرياء من شبابنا. . وانخلعت على يدك قلوبأمهات ثكالى . . فقدت الابن والزوج . . والبسمة.
. . انهمرت دموع أمينة المفتي ، ولم يدر الضابط أهيدموع الحسرة والندم، أم أنها دموع الفرح بنجاتها.
وأكمل الضابط: هذه الأرض التي أنت عليها الآن سيدتيأرض عربية، وتلك الأرض التي ولدت فوق ترابها أرض عربية، وكذلك الأرض التي بعت دينكووطنك وأهلك لأجلها . . أيضاً . . عربية، عربية مغتصبة. . سليبة، ستعود حتماً ذاتيوم لأصحابها، ربما يتحقق ذلك بعد جيل . . أو جيلين . . أو ثلاثة، أو أقل من ذلكبكثير. ونحن هنا الآن لنجاهد بدماء أبنائنا، ولن نكف عن الجهاد حتى نموت دونها . . وأنت . . ما جئت الى هنا سيدتي إلا لقتلنا دونما ذنب بحقك اقترفناه. فلا تظنين أنالأرض التي ستعودين إليها سترحب بك . . لكن تأكيد أن في القدس وحيفا ويافا وبيت لحمونابلس . . في كل فلسطين ستبصق عليك الأرض مع كل خطوة، حتى وإن متّ فستلفظك قرفاًفي قبرك . . وسيأبى دودها الطاهر أن يرعى بجثمانك . . وعندها . . ازداد نحيبها قسوة . . وعلا نشيجها مع صعود صدرها الضامر وهبوطه ، وانعقد لسانها فلم تقو على الكلاملاصطكاك أسنانها، ورعشة شفتيها التي غزت الوجه المتقلص الشاحب. وقال الضابط آمراًجنوده قبلما ينصرف: فكوا قيود ضيفتنا وقدموا لها الشراب وأشهىالطعام
فكوا قيود ضيفتنا وقدموا لها الشراب وأشهى الطعام.
نساء أوروبا
وجاء في محضر استجواب خديجة زهران.
اسمك بالكامل . . وعمرك . . ؟
خديجة عبد الله زهران – 38 عاماً.n
جنسيتك . . ؟
أردنية الأصل وأحمل هوية لبنانية. صاحبة محل لوارnللملابس في بيروت.
كيفتعرفت بأمينة المفتي . . ؟
تعرفت عليها عندما جاءت لتبتاع ملابس لها، ومنnلهجتها عرفت أنها أردنية مثلي.
كيفتوطدت علاقتكما . . ؟
كانت تزورني دائماً بالمحل وتحولنا الى أصدقاء.n
هلتعرفت من خلالك بالمدعو مارون الحايك . . ؟
لا . . بل بمانويل عساف وهو الذي عرفها بالحايك.n
وماسبب ذلك. . ؟
كانت بحاجة الى تليفون بشقتها، فطلبت من مانويلnمساعدتها لأنه موظف بالمصلحة.
هلكان مانويل عشيقاً لك وقتها . . ؟
لا . . كانت زوجته زبونة لمحلي . . وكان يجيء معهاnأحياناً فتعرفت عليه.
وكيف تطورت بينكما العلاقة الى جنس . . ؟
طلبت مني أمينة ذلك لإسكاته عنها.n
كيفذلك . . ؟
كان يغار من الحايك ويغتاظ لأنها فضلته واتخذتهnعشيقاً.
هلكنت على علم بنشاط أمينة التجسسي منذ البداية . . ؟
لا . . لم أكن أعرف . . ومانويل هو الذي أخبرني بذلكnأثناء سكره.
لماذا لم تبلغي السلطات الأمنية بالأمر . . ؟
أردت استغلال أمينة مادياً لأنني كنت مدينة بمبلغnكبير للبنك.
وكيف حدثت المواجهة بينكما . . ؟
كنا بشقتي عندما فاتحتها بما قاله مانويل، ولأنهاnتعلم جيداً بتعثراتي المالية . . أنكرت، وأخرجت دفتر الشيكات وأعطتني شيكاً بثلاثةآلاف ليرة على سبيل القرض.
كمكانت ديونك للبنك . . ؟
حوالي ستة عشر ألفاً.n
وهلثلاثة آلاف ليرة تكفي لإسكاتك . . ؟
وعدتني بخمسة آلاف أخرى، وعرضت علي الشراكة دونnالإدارة.
قالت أمينة أنك مارست معها الجنس مرات كثيرة.
لا . . لا . . هي التي جرتني لأفعل معها ذلك لكيnتضمن سكوتي.
كيفولماذا. . ؟
قبلما أطلق من زوجي الثاني كنت أشكو لها عدم ارتياحيnمعه. وذات يوم طلبت مني أن أزورها بشقتها، ولما ذهبت اليها تكلمنا عن الجنس، وأخذتتغريني بأن نفعل معاً كما تفعل النساء في أوروبا. وبعد عدة لقاءات في شقتها فوجئتبها تهددني بأفلام صورتها لي معها ومع مارون الحايك . وطلبت مني أن أعطيها عشرينألف ليرة، وإلا فستفضحني أمام زوجي وأهلي.
ثمماذا . .
قبلت قدميها أرجوها ألا تفعل، ولما أصرت هددتها بأنnأخبر السلطات الأمنية عما ذكره مانويل، فسخرت مني وقالت: سأفضحك إن لم تجيئينيبالنقود مساء اليوم. لقد كانت تعرف أسرتي، وتعلم بأن والدي وأخويّ متدينونوسيقتلونني حتماً إذا ما رأوني في تلك الأوضاع المخلة. ولما عجزت عن إقناعها طلبتمني أن أعمل معها بأجر. وأن مهمتي تتلخص في مصادقة النساء المتزوجات من ضباطفلسطينيين، واستدراجهن للخوض في السياسة والأسرار العسكرية.
وهلوافقت هكذا بسهولة . . ؟
لا . . ابتعدت عنها لعدة أيام لأفكر، وكنت على وشكnإبلاغكم لكنها حاصرتني وهددتني بقسوة، فاضطررت الى إعلان موافقتي لإسكاتها.
جامبون
كيفبدأت العمل معها . . ؟
شرحت لي طريقة التعرف بالنساء الفلسطينياتnومصادقتهن، ومكثت معي بالمحل عدة أيام لتراقبني.
كمزوجة فلسطينية تعرفت بها. . ؟
لست أدري . . ربما أكثر من أربع عشرة زوجة. "يوجدnسرد طويل لأسماء ومعلومات مختلفة".
كمليرة حصلت عليها لقاء عملك . . ؟
سبعة آلاف . . أو ثمانية.n
هلالتقيت بأحد من أعوانها من الأجانب . . ؟
مرة واحدة. جاء أحدهم ليتسلم مظروفاً كبيراً تركتهnأمينة.
ماذا كان به. . ؟
لا أدري . . فقد كان مغلقاً بالسوليتيب، ولم تخبرنيnأمينة عما به.
هلكان عربياً . . ؟
لا . . إنه أجنبي ولهجته فرنسية.n
ماذا قال لك. . ؟
قال لي كلمة السر المتفق عليها: جامبون. "وهو اسمnشائع يطلق على لحم فخذ الخنزير المحفوظ".
وكيف تعرفت عليه . . ؟
كان يدخن البايب وله شارب دوجلاس أصفر، وقد أخبرتنيnأمينة عن أوصافه مسبقاً.
هلتعرفين أبو ناصر . . ؟
أعرف زوجته سندس ولم أره أبداً.n
كيفنشأت علاقة أمينة به . . ؟
جلبت لها رقم تليفونه في صيدا من زوجته.n
ولماذا رغبت أمينة في التعرف اليه . . ؟
لأن زوجته أخبرتني الكثير عن بطولاته وعملياتهnالفدائية في الجنوب، واهتمت أمينة بمصادقته.
متىأخبرتك أمينة بأن "أبو ناصر" ضالع معها في التجسس . . ؟
لم تخبرnتي عن ذلك، وإنما أكدت لي بأن الضابطالفلسطيني "وطني أكثر من اللازم".
هلصدقتها . . ؟
نعم . . فقد كانت تكرهه، وتطلب مني دائماً استدراجnزوجته في الحديث لمعرفة أخباره.
انتهت اعترافات خديجة زهران، حيث أدلت بأدق تفاصيلعلاقتها بأمينة المفتي، وبزوجات الضباط الفلسطينيين في بيروت. أما مارون الحايكالمذعور فقد أوضح الكثير عن ملابسات علاقته بأمينة، وعثر ببيته على قائمة طويلةتحوي الأرقام السرية لتليفونات قادة المنظمات الفلسطينية، إضافة الى ملف كبير يتضمنخلاصة تجسسه على تليفوناتهم خلال فترة اعتقال أمينة. فقد كان يود تقديمه لزعيمتهعند عودتها لتمنحه آلاف الليرات، وتغرقه في بحر النشوة عدة ليال. أما الشيء العجيبحقاً فقد وقع بين أيدي رجال المخابرات الفلسطينية، وشريط تسجيل أخفاه مارون بجيبسري بإحدى الحقائب، لمحادثة تليفونية كاملة بين علي حسن سلامة وأبو داود، وفيهاتفاصيل كثيرة عن أمينة المفتي المعتقلة آنذاك ببيروت، هذا الشريط لم يقم مارونبتفريغه أو الاستماع اليه، ولو أنه كان قد فعل ذلك لأدرك الخطر وهرب بجلده ومعهشريكاه. لكنه اعترف بأن هذا الشريط هو الوحيد الذي لم يفرغ وعندما قام بتسجيله كانمنهمكاً في التنصت على مكالمة أخرى بين ياسر عرفات ونايف حواتمة.
وبانتهاء التحقيق مع خديجة زهران ومارون سلما الىالسلطات اللبنانية لمحاكمتهما، طبقاً لقانون العقوبات الذي عُدل في 28 يناير 1975،وجاءت مواده الجنائية مائعة وغير رادعة.
أما أمينة المفتي .. فقد امتنع الفلسطينيون عن تسليمهاللبنانيين، حيث قرروا لها مصيراً آخر، ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية اللبنانيلمحكامتها. وأمام الرفض التام لذلك . . اضطر الوزير لنسيان الأمر برمته. فقد كانيدرك بأن هناك نهاية مأساوية تنتظر عميلة الموساد على أيدي الفلسطينيين. وعلى ذلك . . ظلت الجاسوسة العربية مقيدة بكهف السعرانة، يفتك بها الرعب ويغلفها الهلع . . !!
الموت البطيء
وحدها، انكمشت أمينة في محبسها بكهف السعرانة تنتظرالموت مع كل لحظة، يحاصرها إحساس بالخيبة بعدما أفلت مارون وخديجة من براثنالفلسطينيين، وتولت أمر محاكمتهما السلطات اللبنانية أمام محاكمها المختصة. لقدكانت تدرك عن قناعة أن زعامتها للشبكة هو سبب بقائها بالكهف دونهما، وبالتالي فإنمصيرها المجهول بين أيدي الفلسطينيين سيكون أشد قسوة وشراسة، لكنه على أية حال لايساوي أبداً مع بشاعة جرمها. فبرغم اعترافاتها التفصيلية بالتجسس لحساب الموساد،إلا أنها أخفت عنهم الكثير من الأسرار، بالطبع هي أسرار بالغة الأهمية ستزيد ملفهاتخمة، وقطعاً سينقلب اعتقاد الفلسطينيين في كونها جاسوسة كانت ضحية مغامرة عاطفية،الى جاسوسة عدوانية ترى في خيانتها نوعاً من الانتقام والتشفي، ذلك لأنها لم تنسيوماً مدى كراهيتها الشرهة للفلسطينيين، تلك الكراهية التي يحملها القوقازيون فيالأردن لهم. فهي شركسية من سلالة هؤلاء الذين فروا من جبال القوقاز الى الوطنالعربي، وكانت أسرتها تعمل في خدمة الملك حسين، شأنها في ذلك كشأن القوقازيين الذينيعملون في جيشه، واشتبكوا مع الفلسطينيين في حرب ضروس عام 1970، فاعتبرهمالفلسطينيون أعداء لهم، وهاجموا الأحياء التي يقطنوها فتبادلا الشعور بالكراهيةتجاه بعضهم البعض. هكذا بدت كراهية أمينة للفلسطينيين ذات جذور، وهكذا أينعتمشاعرها وهي تهدي إسرائيل معلومات لا تقدر بثمن عن تحركاتهم ومخازنهموعملياتهم.
وخلا ملف الاعترافات من توصلها لأسرار مخازن الهلالالأحمر التي يديرها شقيق ياسر عرفات، ففي هذه المخازن كانت تخبأ الأسلحة الخفيفة،والأسلحة المضادة للصواريخ في صناديق المهمات الطبية، مما جعلها دائماً عرضةللعمليات الجوية الإسرائيلية بناء على وشاياتها. . وأخفت أمينة أيضاً سر اختطافإسرائيل لطائرة الخطوط الجوية اللبنانية "الشرق الأوسط" في 10 أغسطس 1973، وإجبارهاعلى الهبوط في تل أبيب فقد كانت هي التي أبلغت الموساد بوجود جورج حبش على متنها،لكن حبش كان قد أصيب بأزمة قلبية منعته من ركوب الطائرة. . وقتها . . تأكدللفلسطينيين أن هناك اختراقاً إسرائيلياً لمنظماتهم، وجرى مسح شامل لمئات الأشخاصدون جدوى. ولم تكن أمينة في ذلك الوقت قد وقعت في دائرة الشك، فقد كانت مشبعة بثقةالفلسطينيين، حيث تعمدت ألا تظهر عداء مبالغاً فيه للصهيونية، وفي مناسبات مختلفةكثيراً ما عبرت عن رأيها في حق إسرائيل في امتلاك الأرض أيضاً. فأبعد ذلك التصرفالشكوك من حولها، فأي عميل إسرائيلي سيبذل ما بوسعه ليبدو عدواً لدوداً للصهيونية. لذا غادرت بيروت في حذر في جولة تفقدية، واستطاعت أن تمد الموساد بصور لمراكب وسفنالصيد واللنشات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والراسية بمينائي صيدا ورأس شكافي الجنوب والشمال، والتي كانت معدة للعمليات الهجومية البحرية، ومكنت إسرائيل بذلكمن تدمير ثلاثين قطعة منها في عملية انتقامية، وجاء ذلك بعد هجوم منظمة فتح البحريعلى المدينة الساحلية "نهاريا" عام 1974.
كل تلك الأسرار جاءت مفصلة بمذكرات أمينة المفتي التينشرت في إسرائيل فيما بعد، فأضفت على جاسوسة الموساد هالة من الأساطير صعدت بها الىآفاق الخوارق، ونسبت اليها عمليات وهمية مختلفة عن اكتشافها مؤامرة لاغتيال الساداتبوساطة الليبيين عام 1976، مهدت الطريق لكامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وكانت أمينةوقتذاك مكبلة بالجنازير الى الحائط داخل كهف السعرانة في جنوب لبنان، تنتظر نهايتهاالمرتقبة كالموت البطيء.
أحلام . . ورصاص
وما أن نشرت الصحف اللبنانية نبأ القبض على أمينةالمفتي وأفراد شبكتها، حتى ارتجت جنبات الموساد بشارع كيريا بتل أبيب. وبدأت فيالحال تخطيطاً لاستعادة العميلة الأسطورية. فتاريخ الموساد الطويل يسرد لنا عشراتالقصص التي انتهت باسترداد جواسيسها، الذين اكتشف أمرهم وكانوا على قيد الحياة. ولهذه القاعدة تبرير منطقي وهو أن إنقاذ أي عميل يرفع الروح المعنوية للعملاءالآخرين، ويشجع الرجاء والنساء على القيام بعمليات ومهام خطيرة أخرى. ولأنالفلسطينيين يدركون ذلك جيداً، رأى عرفات أن الإبقاء على أمينة بكهف السعرانة أمرضروري حتى يحين الوقت المناسب لتقرير مصيرها النهائي، نابذاً بذلك رغبة علي حسنسلامة في إعدامها.
فقد كانت لعرفات رؤية مستقبلية بعيدة المدى، تنحصر فيالتربث لبعض الوقت، ومبادلتها بشخصيات فلسطينية بسجون إسرائيل. لكن سلامة الذي بداغير قانع كان يرى في قتلها فوزاً أكيداً، إذ سيصاب عملاء إسرائيل في لبنان بالذعر،وبالتالي يسهل كشف العديد منهم إن لم يسارعوا بمغادرة بيروت. ولما فشل في إقناععرفات بوجهة نظره، اضطر الى السكوت وكبح اندفاعة الشباب عنده. وبذلك ظلت أمينةحبيسة الكهف الجبلي، ترسخ في قيود الذل دون محاكمة، أو بصيص من أمل في النجاة. وفيذات الوقت الذي أدين فيه مارون الحايك بالحبس ثلاثة أعوام، وبعام واحد لرفيقتهخديجة زهران – "راقب معي ميوعة الحكم في قانون العقوبات اللبناني . . !!"
– نسجت أمينة المفتي خيوط شبكتها حول أحد حراسها،وأوهمته بأنها بريئة مما نسب اليها، وأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية في عمهاالذي يشغل منصباً حساساً في البلاط الملكي الأردني، حيث تصور لهم أنه كان أحدالمحرضين لمذابح أيلول الأسود. وبعد عدة أشهر – في مايو 1976 – كان غسان الغزاوي قداقترب كثيراً من أمينة، وتعاطف مع محنتها الى الحد الذي دعاه للتفكير في تخليصها منالسجن، وإن استدعى منه ذلك الهرب بها الى إسرائيل. لقد انقلبت نوبتجيته في الحراسةالى جلسة غرام تصطخب بالمشاعر والأمنيات. فكانت أمينة تمنحه جرعات متصاعدة منالأشواق واللهفة، تطيح بعقله وتعبث به الى دنيا جديدة من أوهام التمني. ولأنه نجارخائب لا يجيد صنعته، عاش سني حياته الثلاثين في حالة حرب دائمة مع الحياة بحثاً عنعيشة رغدة مريحة، لكن هيهات أن يراها كسول مثله، أوقف خبرته عند حد معين لم يستطيعتجاوزه، فتقهقرت إرادته وانزوى منسياً بين جدران جحره الرطب بمخيم الرشيدية في صور،يجرع الجوع واليأس ناقماً على حظه وعلى الدنيا كلها.
إن فاشلاً مثله استعبده الفقر والجهل السهل جداًإغواؤه والسيطرة عليه مادياً أو عاطفياً، فهو في الأصل لا يمكن أن يكون مؤمناًبقضيته أو مستوعباً لرسالة الكفاح من أجلها، ذلك لأنه أرجع فشله الى كل تلك الظروفالتي تحيط به وبشعبه. ووطن نفسه على أنه مجرد ضحية لا ذنب له لكي يعيش معدماًشريداً، يفتقد أبسط مظاهر الحياة وأقلها ترفاً. هكذا قرأته أمينة وتخللت إليه فيسهولة ما أيسرها على متخصصة في علم النفس مثلها، وأغوته بمكذوب العواطف تصبها صباًفي أذنيه، فأذابته تماماً وهو المحروم اللاهث خلف الأحلام، وترقب عن كثب انسكابمقاومته الخائرة، واستفحال رغبته في تخليصها أملاً في حياة هنيئة بإسرائيل. فكانتهي بذلك أول عميلة للموساد على الإطلاق، تجند حارسها في السجن للفرار بها الى خارجحدود الدولة. وجاء بمذكراتها فيما بعد أنها كانت تنوي النجاة بنفسها فقط، وتركه علىالحدود يواجه مصيره وحده مع الفلسطينيين، حيث ستحال الأساطير في إسرائيل عن قصةهروبها العبقرية. لكن خابت أحلامها في المجد والتكريم.
وخابت أحلامه أيضاً في الثراء والنعيم، عندما أفضىبسره الى أحد رفقاء فقره في المخيم، فأبلغ السلطات الفلسطينية عنه وتمت مراقبته،وضبط وهو يحاول إدخال بزة عسكرية الى الكهف لترتديها أمينة أثناء الهرب. وانتهتأحلام الخائن برصاصات أخترقت صدره في أكتوبر 1976، وبتضعيف القيود الحديدية بأيديالخائنة ورجليها، وشدها الى الحائط مصلوبة وبأقل قدر من الطعام والشراب، الى أنتقيحت أطرافها المختنقة بالقيود، وعمل معول الهزال بجسدها كما يعمل معول النحاتالماهر بمادته الصخرية، فعاشت ذابلة كالموتى لا يميزها عنهم سوى ارتعاشة الأطراف،وزوغان حدقتين لا تبصران إلا الخوف والظلام . . !
أقصى درجات الأمن
مرت خمس سنوات منذ اعتقلت أمينة المفتي، وفي نوفمبر منعام 1979 تحديداً، نشطت تحركات الصليب الأحمر الدولي، وتكثفت الاتصالات معالفلسطينيين من أجل مبادلتها. وكان العرض الاسرائيلي هزيلاً قياساً بجواسيس آخرين،فقد أبدوا رغبتهم في مبادلتها بفلسطيني واحد، شريطة ألا يكون متهماً بقتلإسرائيليين من المدنيين أو الجنود. فرفض عرفات العرض الاسرائيلي، واشترط لمبادلتهاالإفراج عن اثنين من أشهر الفدائيين الفلسطينيين بمعتقل عتليت، وهما: محمد مهديبسيسو المولود عام 1941 في غزة والمحكوم عليه بالمؤبد لقيامه بعملية فدائية بواسطةزورق عام 1971، وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الاسرائيليين.
ووليم نصار المولود عام 1942 في القدس، والمحكوم عليهبالمؤبد أيضاً لقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968 بالقدس.
لكن الرد الفلسطيني قوبل بتعنت إسرائيلي شديد، وأسرممثل الصليب الأحمر لعرفات بأن أمينة لا تساوي شيئاً عند الاسرائيليين، فهميصنفونها على أنها مجرد خائنة لوطنها، باعت دينها وأهلها من أجل نزوة، ومن المستحيلأن تخلص تماماً لإسرائيل أو تدين بها بالولاء. وذكره الممثل الدولي بما حدث للمهندسالسويسري الفريد فرانكشت الذي أدين بالسجن ثماني سنوات عام 1971، عندما تبين أنهأمدّ إسرائيل بعدة أطنان من تصميمات الطائرات الفرنسية ميراج 3، بعد تجنيده لأسبابأيديولوجية تتعلق بعقدة الذنب، وعندما أفرج عنه بعد أربع سنوات ونصف السنة، قررالسفر لإسرائيل لحضور الاحتفال بإنتاج الطائرة "كافير" – النموذج المعدل من الميراج 3 – فرفضت الموساد أن تدفع ثمن تذكرته من سويسرا، وقوبل في إسرائيل بتجاهل تام،وشعر أنه تعرض للنسيان والتخلي عنه، ذلك أن مهمته انتهت ولم يعد ذا شأن. لكن عرفاتلم يأبه لذلك. ولم يتراجع قيد أنملة عن مطلبه، وصرح لممثل الصليب الدولي أنه يتعرضلضغوط شديدة للموافقة على إعدام أمينة المفتي. وأنه طالما تفرض إسرائيل الاستجابةوالمرونة، فقد يوافق على إعدامها أمام شاشات التليفزيون لتكون عبرة لكل من يفكر فيالتعامل مع الموساد. وعندها، أصيب رئيس الموساد إسحاق حوفي (1974 – 1982) وكبارمساعديه بالذعر. فإعدام أمينة على الملأ أمام العدسات أمر خطير من شأنه إصابةجواسيس الموساد في البلاد العربية بالهلع وبالشلل، وقد يتسبب في تعطيل عمل شبكاتعملائها المذعورين التي أنفق عليها ملايين الدولارات، مما يهدد تدفق سيل المعلوماتالحيوية التي تعتمد عليها إسرائيل، سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وكان قرار إسحاقحوفي النهائي تلبية مطلب الفلسطينيين على أن يترك لمنظمة الصليب الأحمر العالميةحرية اختيار الدولة التي ستتم عملية المبادلة على أرضها وتحت حمايتها، بما يضمنالحيلولة دون وقوع كارثة قد يفكر بها الفلسطينييون.
وعلى ذلك . . نشطت المنظمة العالمية في اتصالاتها،ورفضت حكومة إيطاليا واليونان وبلغاريا وفرنسا التدخل، بينما وافقت حكومة تركياورومانيا وقبرص على تأمين الحماية التامة للطرفين فوق أراضيها وفي أجوائها، وتعهدتجميعاً بتوفير أقصى درجات الأمن لإتمام عملية المبادلة بسلام. من جانبها أعلنتمنظمة التحرير الفلسطينية ترحيبها واختيارها لدولة قبرص، وأعلنت إسرائيل موافقتهاعلى قبرص أيضاً، شريطة تدخل ممثل عن الأمم المتحدة لضمان الأمن، فأغضب الشرطالإسرائيلي القبارصة الذين اعتبروه "عدم ثقة" في قدراتهم على تحمل المسؤولية كاملة. لكن السفير الاسرائيلي في قبرص تقدم باعتذاره في الأول من فبراير 1980 وأبدى ثقتهفي السلطات القبرصية مشيداً بالعلاقات الحميمة بين البلدين وبالمصالح المشتركةبينهما. ولم يمض سوى يوم واحد حتى أعلن وزير الداخلية القبرصي، بأنه قد تحدد يوم 13فبراير 1980 موعداً لعملية التبادل على أرض مطار لارنكا الدولي، وإغلاق المطار أمامالملاحة الدولية ابتداء من الساعة 14.00 حتى الساعة 2.50 (!!)
قراءة سريعة
تخضع عمليات تبادل الجواسيس أو الأسرى بين الدوللقياسات معقدة، تحددها الملابسات السياسية وظروف العلاقات بين الدول في حالاتالسلم، وتكون أكثر تعقيداً في حالات الحرب والتناحر. وقد شهدت المنطقة العربيةحالات تبادل عديدة وفريدة مع إسرائيل، كان أبطالها جواسيس عباقرة وعسكريون. حيث جرىالتبادل أحياناً في سرية تامة وتعتيم إعلامي، وأحياناً أخرى صابحه ضجيج الإعلام علىالملأ. وأشهر عمليات التبادل كانت بعد نكسة يونيو 1967 عندما تمت مقايضة الجاسوسالصهيوني ولفجانج لوتز بعدد ضخم من العسكريين المصريين الأسرى. وقد ادعت إسرائيلفيما بعد أن ثمن لوتز كان خمسة آلاف أسير مصري، رغبة في الدعاية لجواسيسها وإعلاءلشأنهم. أما جاسوسة الموساد المصرية انشراح علي موسى التي أدينت بالإعدام شنقاً هيوزوجها إبراهيم سعيد شاهين في 25/11/1974، فقد أمر السادات بمبادلتها في صفقة سريةبمصريين وعرب في إسرائيل، كان وراءها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي وذلك قبلزيارة السادات لتل أبيب، في مداعبة سياسية مقصودة للتمهيد لمعاهدة السلام في كامبدايفيد. أما الأشهر على الإطلاق في عمليات التبادل الفاشلة . . والعلنية، فكانتلمقايضة إيلي كوهين – كامل أمين ثابت – سيد جواسيس الموساد في سوريا، وأسطورةالموساد الذي لم يخلفه أحد عبقرية وذكاء. حيث رفضت سوريا وساطات أكثر من 84 رئيسدولة ومنظمة عالمية للإفراج عنه، مقابل ملايين الدولارات ومئات الأسرى السوريين فيمعتقلات إسرائيل، ونفذ فيه حكم الإعدام شنقاً أمام عدسات التليفزيون على الهواءمباشرة في 18 مايو 1965، وأبقى جثمانه معلقاً هكذا لأربعة أيام فوق المشنقة التيأعدت له خصيصاً بساحة المرجة في دمشق. وفي 21 فبراير 1973 وقعت حادثة لم تتكررأبداً من قبل، عندما حاولت إسرائيل اختطاف الطائرة التي تقل عميلة الموساد هبة عبدالرحمن سليم عامر، التي استدرجت من باريس الى بني غازي بواسطة المخابرات المصرية ،وطارت بها الطائرة الى القاهرة لمحاكمتها. لقد عمدت الموساد الى التشويش على أجهزةالطائرة الملاحية ففقدت اتجاهها. وعندما اكتشف الطيار أنه يطير فوق سيناء اتجهبأقصى سرعته ناحية القناة، متجاهلاً إصرار طائرات الجو الاسرائيلية على الهبوطبطائرته في إسرائيل. فيفقد الاسرائيليون صوابهم ويفجرون الطائرة بركابها في الجو،معتقدين بأنهم قتلوا عميلتهم قبلما تعترف. لكن صدموا بشدة عندما اكتشفوا بأنهمأسقطوا الطائرة الليبية البوينج 747 بطريق الخطأ وأن طائرة هبة سليم الحقيقيةاستخدمت ممراً جوياً غير معلوم.
تلك لمحات مختصرة عن أشهر قصص عمليات المبادلاتوالعروض والقتل، التي وقعت أحداثها بين مصر وسوريا وإسرائيل. ولم تكن هناك سابقةواحدة لعملية تبادل بين الاسرائيليين والفلسطينيين. لذلك . . كانت الأعصاب متوترةومجهدة، فإسرائيل تخشى غدر الفلسطينيين بهم على أرض مطار لارنكا، ويشهد تاريخهمالطويل في الكفاح وخطف الطائرات على أنهم رجال ذوو بأس . . وإصرار . . أماالفلسطينيون . . فقد وضعوا تاريخ إسرائيل الدموي نصب أعينهم . . وتوقعوا مذبحة بشعةستدور أحداثها في قبرص.
الدور الطاهر
في المكتب الفرعي لمنظمة التحرير الفلسطينية في صيدا،اجتمع المدير بالضابط الفلسطيني الموفد من الرئاسة في بيروت، حيث أطلعه على تفاصيلحياة أمينة المفتي في محبسها الانفرادي بكهف السعرانة وكان الضابط يصغي اليهباهتمام ليستكمل النقاط التي يريدها فمهمته كخبير في الشؤون المعنوية تتطلب منه ذلكخاصة . . والوقت يمضي سريعاً بعدما وافقت المنظمة على الموعد المحدد في لارناكا. وبعد الاجتماع انطلقت السيارة الجيب العسكرية تقل الضابط الى كهف السعرانة.
كان الطريق المتعرج الضيق قد نحتت أجزاء منه من الجبل،فيستقيم منحدراً أحياناً ثم يلتوي فجأة في صعود والتفاف حول الجبل. ومن بعيد . . بدا الكهف الموحش كنقطة سوداء في بطن الجبل السامق، وكلما اقتربت السيارة شوهد جنودالحراسة المشددة بأسلحتهم الأوتوماتيكية في حالة التأهب. وكانت الأكمنة المتحركةتزيد الأمر حساسية واهتماماً، حتى يخال للبعض أن بالمنطقة مفاعلاً نووياً سرياً. وعندما دلف الضابط الى الكهف، كانت الإضاءة القوية تكشف دهليز الفوهة وتظهر ملامحالوحشة وغموض الطبيعة. وفي نهاية أحد الممرات . . تكورت كومة من عظام . . شدتأطرافها الأربعة بالجنازير. اقترب منها الضابط متفحصاً، فرمقته بنظرات تفيض رعباً . . لكن وجهه الهادئ سكّن بعض الخوف لديها، وحاولت أن تستقرئ ما جاء لأجله ففشلت . . وتملكها ألف هاجس وهاجس . . وأطرقت الى الأرض ثم همدت أنفاسها قليلاً وقالت في صوتخفيض كأنه جاء من قرار:
هل حان وقت الإعدام . . ؟ اقترب منها الضابط أكثروأكثر، لكي تصلها كل كلماته وقال:
سنطلق سراحك بعد أيام . . وستعودين الى إسرائيل مرةأخرى.
ارتعدت أطرافها المقيدة فارتج بدنها كله، وجحظت عيناهاالغائرتان في تحفز لما يقوله الضابط الذي أردف:
بعد عشرة أيام من الآن ستكونين حرة في إسرائيل، ويجبأن تكوني على يقين من أننا لم نعاقبك ولم نؤذك بقدر ما أذيتنا. فنحن أناس مسالمونسعدنا بوجودك ذات يوم بيننا، ووثقنا بك بلا حدود على اعتبار أنك عربية . . مخلصة،وعن حب فتحنا لك قلوبنا . . وكل أبوابنا الموصدة في وجه الآخرين، وما تطرق إليناالشك فتسببت بفعلتك في مقتل عشرات الأبرياء من شبابنا. . وانخلعت على يدك قلوبأمهات ثكالى . . فقدت الابن والزوج . . والبسمة.
. . انهمرت دموع أمينة المفتي ، ولم يدر الضابط أهيدموع الحسرة والندم، أم أنها دموع الفرح بنجاتها.
وأكمل الضابط: هذه الأرض التي أنت عليها الآن سيدتيأرض عربية، وتلك الأرض التي ولدت فوق ترابها أرض عربية، وكذلك الأرض التي بعت دينكووطنك وأهلك لأجلها . . أيضاً . . عربية، عربية مغتصبة. . سليبة، ستعود حتماً ذاتيوم لأصحابها، ربما يتحقق ذلك بعد جيل . . أو جيلين . . أو ثلاثة، أو أقل من ذلكبكثير. ونحن هنا الآن لنجاهد بدماء أبنائنا، ولن نكف عن الجهاد حتى نموت دونها . . وأنت . . ما جئت الى هنا سيدتي إلا لقتلنا دونما ذنب بحقك اقترفناه. فلا تظنين أنالأرض التي ستعودين إليها سترحب بك . . لكن تأكيد أن في القدس وحيفا ويافا وبيت لحمونابلس . . في كل فلسطين ستبصق عليك الأرض مع كل خطوة، حتى وإن متّ فستلفظك قرفاًفي قبرك . . وسيأبى دودها الطاهر أن يرعى بجثمانك . . وعندها . . ازداد نحيبها قسوة . . وعلا نشيجها مع صعود صدرها الضامر وهبوطه ، وانعقد لسانها فلم تقو على الكلاملاصطكاك أسنانها، ورعشة شفتيها التي غزت الوجه المتقلص الشاحب. وقال الضابط آمراًجنوده قبلما ينصرف: فكوا قيود ضيفتنا وقدموا لها الشراب وأشهىالطعام
فكوا قيود ضيفتنا وقدموا لها الشراب وأشهى الطعام.