المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أشهـــر جاسوسـة عربية لدى الموساد .. ح (10) .


محمودالبدوي
05-12-2007, 10:52PM
الحلقه العاشره : والأخيرة
أهزيمة ساحقة أم انتصار باهر . . ؟ تساءلت أمينة فينفسها وتعجبت للإحساس المائع المشوه الذي يخالجها في ضراوة. وظلت لأيام تترنج لصدىكلمات الضابط التي تنخر في عظامها وعقلها، فلا تجد سوى مراراً خفياً كأنه دبيب نمليسري بأوصالها. هكذا اقتُلعت مشاعرها من الجذور، وغرقت في سهوم قاتل يفتك بأعصابهاويزلزل جوانب إدراكها الباطن والظاهر. تقول أمينة في مذكراتها بعد ذلك:
كانت كلمات الضابط كالسهام تخترق عقلي وجسدي . . فأصابت اتزاني وطوحت بآمالي وأوهامي . . وأغرقتني في محيط يموج بالغموض وينبضبالخوف . . والعدم. وأوشكت أن أصرخ فيه أن يرحمني ويصمت . . فيوقف رشق سهامهبأعضائي التي وهنت . . ونزحت عنها مسحة القوة. لكنه كان كمدفع رشاش أخرج كل رصاصاتهفي زخة واحدة. ترى . . لماذا جيء به إليّ . . ؟ ألكي يشعرني بحقارتي وجرمي . . ؟ أمليوقظ بداخلي أحاسيس دفنت من زمن . . ؟ كل ما أذكره وقتها أنني فقدت رسالتي التيخلقت لأجلها . . وهي أنني لم أعد أصلح لأن أكون أماً. فكيف لامرأة مثلي حبلىبالخيانة أن ترضع طفلها وتحتويه، بينما هي تقتل الأطفال والشباب، وتموت أمهاتهمحزناً عليهم وأساً . . ؟ أكنت إذن واهمة الى حد فقدان العقل والتمييز . . ؟ أكنتأصارع طواحين الهواء كما كان يفعل دون كيشوت . . ؟ أين أنت الآن يا أمي لأفردذراعاي حول عنقك والتصق بصدرك الدافئ الحنون . . ؟ أين أنت يا أبي لتنتشلني منمصيبتي وتنير لي الطريق بالنصح كما كنت تفعل أيام طفولتي وشبابي . . ؟ أين هم إخوتيوكانوا لي ظلالاً وارفة تحميني من لسعة الحياة ومدب السيل الجارف . . ؟ أين شقيقاتيوخالاتي وعماتي . . ؟ أين ستائر حجرتي الحريرية ومرآتي . . ؟ ترى أتضم أمي الآنأشيائي وتلعنني أما أنها تبكي لمأساتي . . ؟ لم يبق لي من شيء سوى صمت كالمواتيقتلني . . ودمعاتي . .؟"
عجيبة حقاً تلك المرأة المثيرة، فلعلكم لاحظتم مثليمدى تمكنها وبراعتها في وصف أدق خلجات ذاتها بأسلوب مشوق رائع، حتى أنني كثيراً ماكنت أقف مندهشاً أمام سطور مذكراتها، وأمام قدرتها الفائقة على تشريح انفعالاتهابلا تصنع. متنقلاً معها في راحة من موقف الى موقف آخر. وحيرني سؤال ظل يتردد بخاطريطوالي عملي بملفها: هل أسبغت عليها البراعة في التجسس براعة أخرى في الوصف والتحليل . . ؟ ربما يكون ذلك . . فالعمل التجسسي لا يقوم إلا على اليقظة الشديدة والحرصوالدقة. والكتابة أيضاً لكي تدخل الى القلب وتحرك المشاعر تلزمها اليقظة في سردالفكرة، والحرص على خط التصعيد الدرامي المترابط دون ملل، والدقة في الوصف وتقريبالتخيل الى نبض الواقع في سرد الفكرة، كما أنني لاحظت أيضاً في مذكرات أمينة أنهاتضج بالحيوية وانسكاب المشاعر، وتندفع بها في أحيان كثيرة – كما في نهاية الفقرةالسابقة – الى السجع الموسيقي القريب من أوزان الشعر. فلو أنها اتجهت الى الكتابةلكانت الآن أديبة قديرة . . لكن . . هكذا فعلت بنفسها.
الأنفاس اللاهثة
وفي صباح التاسع من فبراير 1980، نقلت أمينة المفتي فيسرية تامة الى معسكر جنوبي صيدا، وفي المساء تحت ستر الظلام أخذت الى بيروت، تحيطبسيارتها العسكرية عدة سيارات أخرى تقل قوات مسلحة، حيث أودعت حجرة مريحة بأحدمباني منظمة التحرير بحي الفكهاني، يحرسها أفراد لا حصر لهم مدججون بالسلاح. وعنذلك اليوم جاء بمذكراتها وصفاً دقيقاً لأحداثه إذ تقول: "دخلت كهف السعرانة لأولمرة في الظلام، وغادرته نهار ذلك اليوم في الظلام أيضاً . . فقد عصبوا عينيّ خشيةإصابتي بالعمى . . عندما أواجه ضوء الشمس المبهر فجأة، بعد 1651 يوماً في الظلام . . يا لهم من أناس طيبي القلب رائعين. أرادوني صحيحة النظر لأرى الفارق الواضح بينالوجوه عندما أغادرهم. وفي بيروت أدخلتني فتاتان نظيفتان الى الحمام، واستحممت لأولمرة منذ اعتقالي استحماماً كاملاً، ونمت مغماة بينهما ومكبلة بأحزمة رقيقة منالجلد، وأكلت أطعمة شهية حرمت منها لسنوات وكنت أطلبها بنفسي فيجيئونني بها. وأمامهذا الكرم الرائع طمعت فيما هو أكثر، فصارحت الضابط المنوط بحراستي بأمنية غاليةالى نفسي، وهي أن أحادث أمي تليفونياً في عمان. ولما أخبرني الضابط بأن طلبي رفضبحسم، حسوت الحزن يأساً، وأيقنت بأنني لن أسمع صوتها أبداً . . طالما كنت فيإسرائيل . . !!"
لحظتئذ فقط . . أحست أمينة المفتي بندم شديد. فخروجهامن لبنان الى إسرائيل هو بحق موت بطيء لا محالة. فالإسرائيليون سيرفضون بقوة سفرهالأي مكان آخر، وذلك لأن صورها نشرت بمعظم صحف العالم، إذ قد يصادفها فلسطينيفيقتلها غضباً ونأراً، ولن يستطيع الاسرائيليون على كل حال حراستها حراسة تامة خارجالدولة.
لقد فكرت أمينة في حالها وحياتها بإسرائيل فيما بعد،ورأت أن كهف السعرانة كان لها السجن المؤقت قبل الإعدام، لكن إسرائيل ستكون الىالأبد السجن المرير، الذي سيقتلها فيه الندم والعذاب والحسرة والقلق والاكتئاب. إذنفالموت السريع في لبنان لأهون ألف مرة . . بل إنه الخلاص من ثورات داخلية ستفتك بهاوتقودها غصباً عنها الى حافة الجنون. لذلك صرخت قرب منتصف الليل وملأ صراخها المبنىكله وهي تقول: "لا أريد العودة الى إسرائيل . . لا أريد إسرائيل". هجمت عليهاالفتاتان قبلما تتقطع الأربطة الجلدية، واندفع الى حجرتها على الفور عدد كبير منالضباط والجنود، شرعوا في الحال في تضعيف قيودها، وكان جسدها النحيل ينتفض بعنفوشراسة، كأن قوة جبارة حلت به بعد ضعف وهدأة. وقال لها أحد الضباط:
فلتهدئي من فضلك . . فكل شيء أعد لسفرك الى إسرائيل.
وبذات القوة والعصبية والصراخ قالت:
أعدموني هنا . . أو أرجعوني الى كهف السعرانة . . أنا أكرهإسرائيل . . أكرهها . .
أجابها الضابط في هدوء:
إسرائيل هي وطنك الآن سيدتي.
وكأنما تشد جذور أعصابها من أشواك الخوف قالت فيهلع:
الإعدام أهون . . لماذا لم تعدموني . . ؟ أتخافون من إسرائيل . . ؟
رد الضابط في ثقة:
نحنأقوى من إسرائيل . . لذلك أرسلتك للتجسس علينا.
نعم . . تجسست عليكم . . فلماذا تعيدونني الى أعدائكم . . ؟
وبينما كان الطبيب يدخل مسرعاً الى الحجرة ممسكاً بيدهمحقن المخدر كان الضابط يجيب:
نحننبادل امرأة خائنة برجلين من أبطالنا البواسل.
بصقت أمينة في الهواء وانطلقت كالمدفع قائلة:
نعمأنا خائنة . . وسأخونكم ألف مرة لو أتيحت لي الفرصة . . فهيا تخلصوا مني وأعدموني "والتهديد بالخيانة هنا يعني قمة الندم".
. . وعندها . . انقض جنديان على ذراعها يحبسان حركته،وأمكن للطبيب إفراغ المخدر بوريدها، وكان صراخها الحاد المسعور ترتج منه حوائطالمكان . . وما هي الى هنيهة حتى بدأ يضعف . . ثم يخفت . . حتى هدأ تماماً. . تماماً . وسكن، وانهمد الجسد الممدد في استكانة، وما عاد يسمع سوى صدى لأنفاسلاهثة.
أغنية القدس
وفي الثالثة وعشر دقائق مساء يوم 13 فبراير 1980 مغماةبكيس أسود طويل وشبه مخدرة، اقتيدت أمينة المفتي مكبلة الى الملف في سيارة مصفحةالى المطار، تحاصرها عدة سيارات عسكرية ذات أنواع مختلفة. والى جوار سلم طائرة خطوطالشرق الأوسط – بوينج 737 – أنزلت بهدوء وسط حشد من الجنود، وتأبط ذراعها ضابطانفلسطينيان سحباها الى داخل الطائرة، التي أغلقت أبوابها في الحال وأخذت عجلاتهاتنهش أسفلت الممر، وبداخلها أحد عشر ضابطاً فلسطينياً وأحد ممثلي منظمة الصليبالأحمر الدولي، حيث كان وجهتها ناحية الشمال . . الى أنقرة، خشية اعتراضها بواسطةطائرات سلاح الجو الإسرائيلي، ومن هناك . . تعود بركابها من جديد الى الجنوب مرةأخرى . . الى حيث توجد جزيرة قبرص في عرض البحر المتوسط، تشير بإصبعها في أسى ناحيةالإسكندرية، تلك الأرض العربية الخصبة التي استلبها الأتراك منا.
وفي الطائرة . . انزوت أمينة على أحد المقاعد لا نملكمن أمرها شيئاً . . لم تكن تبك أو تنتحب، ولم يلاحظ أحد من مرافقيها قسمات وجههاالمستتر وقد كساه اصفرار الموت، أو سيل الدمع المنهمر في هدوء وصمت. لكن فجأة سمعلها نشيج بدا واهناً في البداية، ثم تحول شيئاً فشيئاً الى عويل متصل فبكاء يشبهالعواء . . ولما أشعل الضابط الجالس الى جوارها سيجارته قال لها وهو ينفث دخانهالكثيف:
أأشغل لك واحدة .. ؟
صمتت للحظة ثم أجابت:
مانوعها . . ؟
أجابها الضابط في اكتراث:
تونسية . . اسمها "سفاير الصفاء".
قالت في تردد:
ألايدخن أحدكم المارلبورو؟
رد الضابط في حسم:
نحننكره الأمريكان وبضائعهم . .
أتعرف ماذا تعني كلمة مارلبورو . . ؟
دهش الضابط لسؤالها وأجاب:
نعم . . إنها تتكون من الحورف الأولى لعبارة إنجليزية تقول : الرجل دائما يتذكر الحبلان ... قاطعته وهي تقول :
أشعل لي سجارة من فضلك.
فتحسس الرجل بأصبعه موضع فمها، وأخذت تسحب الدخان فينهم حتى امتلأ به الكيس من الداخل فسعلت وقالت في تأفف كفى:
وانتبهت العقول لصوت حاد يردد:
قسماً بمن (*) . .
خلق السماء بلا عمد . .
قسماًبأيام الطفولة والرجولة . .
والكهولة والتنسك والصلاة . .
صلاة يومالأربعاء . . قسماً بكل الميتين بلا كفن . .
سيرد أبناء الزناة لنا الثمن . .
أغلى ثمن . .
قسماً بقدس صوته المجروح . .
يحفر في السحابة والأبد .
. قسماً برب الأبرياء . .
وبكل أودية الدماء. .
سنذود عن قدس الأحبة . .
عن تراب الأنبياء . .
يا أيها القمر المسافر في حدائق مقلتي . .
يانخلة . . طرحت نبياً . .
من نبي . . من نبي . .
سنزود عن يافا . . وغزة. .
والتراب المرمري . .
حيث يرقد في الدجى . .
عطر . . رقيق . . مريمي . .
غداً سترجع كالعروس . .
يزفها صوت الحلى .
الحشد والتربص
وداخل الطائرة اللبنانية البوينج 737 تكومت أمينةالمفتي على مقعدها تنتحب في أسى، بينما أنشغل الضباط الفلسطينيون عنها بدراسة خطواتعملية التبادل التي شرحها لهم ممثل الصليب الأحمر. وفي الساعة الخامسة والنصف مساءكانت الطائرة تحلق فوق مطار لارناكا القبرصي، تنتظر الإذن بالهبوط. ولارناكا مدينةعريقة الملامح بها القلعة التركية ومتحف صغير ومدافع قديمة، ويموج الشارع الرئيسيبها بوجوه السائحين من مختلف الجنسيات، ومطارها هو المطار الرئيسي للجزيرة بعد أنفقدت نيقوسيا مطارها الدولي الذي أصبح مع خط التقسيم ضمن الحدود التركية. وقبرص منذالقدم وطوال الحروب الصليبية كانت دائماً مصدر خطر دائم على أرض فلسطين ومصروسوريا، فقد كانت محطة دائمة لكل طوائف المرتزقة والباحثين عن المجد، وحاول مماليكمصر أكثر من مرة غزو الجزيرة فلم ينجحوا، ولكن العثمانيين، فعلوها عام 1570واقتحموا لارناكا واستولوا على الجزيرة بأكملها. وخلال الحرب العالمية الثانيةتحولت قبرص الى ساحة لكل العمليات الحربية الموجهة لمصر وفلسطين، وأصبحت فيما بعدمركزاً استراتيجياً لكل أنواع الاستخبارات العالمية – الأميركية والسوفيتيةوالإنجليزية والمصرية والإسرائيلية – وفي حواريها الضيقة وقراها الجبلية دارت كلأنواع المؤامرات من الاغتيالات الى الانقلابات الى الصفقات المشبوهة.
لقد كان يوم 13 فبراير 1980 هو بحق يوماً عصيباً فيقبرص، فالحياة بدت شبه متوقفة، وجحيم من القلق يخيم على الوجوه ويعم على أجهزةالدولة التي تحملت عبء إتمام عملية المبادلة فوق أراضيها دون الوقوع في أدنى خطأ قديتسبب في كارثة تشوه وجه الجزيرة الآمن وتسيئ الى حكومتها أمام المحافل الدولية. لذلك . . اتخذ وزير الداخلية كل التدابير الأمنية اللازمة، وفق خطة رسمت بإحكام،بحيث تتم العملية بهدوء وبمظهر مشرف وتحت إشرافه هو شخصياً. فحاصرت المطار منالخارج عشرات من مركبات المدرعات والدبابات، الى جانب أعداد حاشدة من قوات الأمنتقف على أهبة الاستعداد، وبدا المنظر العام كأنه حشد لحرب مرتقبة، وتربص بعدو غاشمينوي غزو الجزيرة. أما قوات العمليات الخاصة فقد امتلأت بها النوافذ وأسطح مبانيالمطار تحمل بنادق تلسكوبية رشاشة. وكان الوضع في الداخل اشد تعقيداً وسخونة، فقدجرى إخلاء المطار من السواتر الرملية والأكشاك، وكل ما يمكن استخدامه كساتر منالنيران لأي عملية عسكرية أو فدائية محتملة، وأخرجت جميع السيارات التي تتبع خطوطالطيران العالمية، وكذلك شاحنات الماء والوقود وسلالم الصعود، كما أبعدت أيضاًالطائرات الرابضة على أرض المطار عن المكان الذي خصص لوقوف الطائرة الاسرائيلية،وانتظر أكثر من ألف وخمسمائة جندي مسلح، هم جميعاً من جنود المظلات والصاعقةوالعمليات الخاصة المدربة تدريباً عالياً على الالتحام المباشر والاقتحام في حالاتكوارث خطف الطائرات والسفن. واتخذ وزير الداخلية من برج المراقبة بالمطار مركزللإشراف على الموقع ككل وإصدار أوامره لقواته.
سأقتله . . سأقتله
وعندما حلقت الطائرة بأمينة المفتي مرتين فوق المطارأذن بها بالهبوط، وبعد دقائق قليلة كانت تقف على الممر فاتجهت إليها مسرعة عدةسيارات عسكرية ومدرعة واحدة، وأحاطب ها رجال الكوماندوز من كل جانب. عندئذ تلقىالطيار اللبناني أمراً بفتح باب الطائرة الأيسر الأمامي، فصعد السلم في الحال ممثلالصليب الأحمر ومعه ثلاثة ضباط قبارصة بلباسهم المدني. كانت أمينة ترتدي بنطلوناًمن الجينز الأزرق وبلوفر أحمر من الصوف ذي رقبة عالية، وكانت ما تزال مكبلة الىالخلف ومغماة عندما اقترب منها ممثل الصليب الأحمر، فكشف عن وجهها وأخذ يقلب بصرهعدة مرات بينها وبين صورة لها كانت بيده، وبعدما تأكد من شخصيتها اوماً للضباطالثلاثة فتأكدوا من إحكام قيدها، وجذبوها بلطف مغماة الى باب الطائرة، بينما تثاقلتخطواتها وارتفع صوت نحيبها المتواصل بلا انقطاع. ولما عجزت ساقاها عن حملها، انحنىأحد الضباط في مواجهتها ورفعها رفعاً الى كتفه ونزل بها الى حيث تقف المدرعة أسفلالسلم مباشرة، فدفع بها الى ا]دي التي امتدت من الداخل، وانطلقت المدرعة في سرعةقصوى الى إحدى حظائر الطائرات، التي تحرسها اثنتا عشرة مدرعة ومائة وسبعون مظلياً . أما الضباط الفلسطينيون فقد سلموا للقبارصة رشاشاتهم الكلاشينكوف، وأخذوا مع طاقمالطائرة الى إحدى القاعات الداخلية بالمطار المشددة الحراسة. وكان على الجميع حبسأنفاسه لمدة ساعة وربع الساعة، في انتظار هبوط الطائرة الإسرائيلية – العال – التيكانت ما تزال رابضة على أرض مطار اللد الإسرائيلي، وجاهزة للإقلاع فوراً بالأسيرينحال التأكد من وصول أمينة المفتي الى قبرص. لقد كان للفارق الزمني بين هبوطالطائرتين دلالات أمنية محسوبة جيداً وبعمق شديد، وهذا الأمر كان قد تم الاتفاقعليه مع الطرفين، والغرض منه طمأنتهما على توافر مساحة أمان تخدم هدفيهما، خاصة . . وتلك أول عملية تبادل تتم بينهما على الإطلاق، وكان أحد طرفيها جاسوس إسرائيلي "في 14 مارس 1979 بادلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – بقيادة جورج حبش – جنديإسرائيلي اسمه إبراهام عمراي أسرته لجبهة بعد أن ضل طريقه بالقرب من صور بستةوسبعين فلسطينياً كانوا بمعتقل عتليت.
استقرت أمينة المفتي بداخل المدرعة القبرصية لا تملكإرادتها، وبدت كالتائهة وسط بحر متلاطم، تصرخ بصوت حاد مبحوح أحياناً . . وينسابنحيبها متحشرجاً أحياناً أخرى. لقد انقضت عليها مشاعر متباينة حطمت ثباتها وأعصابهاالتي كانت من قبل من فولاذ، وأخذ جسدها النحيل يهتز في اضطراب وانفعال، فاسترسلت فيتشجنات الأسى المرير والخوف، وطلبت كثيراً من القبارصة حل عصابتها وقيودها فرفضوا،فقذفتهم بوابل من حمم السباب وقنعت في النهاية بما هي عليه وتصف لنا أمينة المفتيفي مذكراتها تلك الدقائق العصيبة من حياتها فتقول:
وبينما كنت بالمدرعة القبرصية أنتظر وصول الإسرائيليين . . عصفت بي الشكوك والأفكار . . وفكرت في موشيه. ترى . . هل حقيقة ما يزال حياً . .؟ هل ينتظرني بشوق ماداً ذراعيه بلهفة حبلى بالحب . . ؟ أم أنه مات بالفعل وقبّربين حطام طائرته التي أسقطها السوريون. . ؟ وماذا لو أنه كان حياً. . ؟ هل سأقتله؟هل سأنهش بطنه بأظافري وأسناني لقاء خداعه لي. . يا إلهي أيمكن لموشيه الحنون أنيتآمر ضدي أنا؟ أبعدما بعت ديني ووطني وأهلي لأجله يبيعني . . ؟ كيف سيشرح لي الأمرويضغط على مشاعري لأصفح . . ؟ لن يستطيع التخلل الي من جديد ولو ركع أمامي . . لنأمنحه فرصة واحدة يظهر لي فيها ضعفه وندمه. . وكيف أصفح وكهف السعرانة موشم علىجسدي، ومحفور بخلايا عقلي وأوردتي . . ومربوط بساعدي . .كيف . . كيف بالله أصفحوأهلي يمشون منكسي الرأس خزياً . . ؟ لن أضعف بعد اليوم أبداً أمام عواطفي . . وسأقتله . . نعم . . سأقتله بالسم. . بالرصاص . . بالحرق . . بدم الحيض . . عنديألف حل لقتله أما فيما لو أنه كان ميتاً بالفعل . . فسأزرع عمري زهوراً على قبره . . إن كان له قبر . . !!
ابتسامة الظفر
وفي الساعة 18.55 كانت الطائرة الاسرائيلية تقف علىأرض مطار لارناكا، في المكان المخصص لها تماماً على بعد كيلو متر واحد من المدرعةالتي تقل أمينة المفتي وبعد عشرة دقائق أذن لقائدها بفتح أبوابها. كانت لحظات عصيبةحقاً وطويلة كالدهر، إذ تتابعت الأنفاس ودقت الصدور عندما انفتح باب الطائرة،وبدلاً من أن يقفز منها فريق الكوماندوز الإسرائيلي المعروف باسم "النخبة" أوالسايريت ماتاكال – أطل مندوب الصليب الأحمر الدولي ومن خلفه ظهر ضابط مخابراتإسرائيلي بلباس مدني. وعند نقطة محددة بمنتصف المسافة بين الطائرة والمدرعة ، كانينتظر مندوب الصليب الأحمر الآخر. تصافح المندوبان وتحدثا لعدة ثوان، ثم اتجهابالضابط الإسرائيلي الى المدرعة. هذا . . في الوقت الذي أحيطت في الطائرة بأربعةمدرعات مسلحة، وبأكثر من مائة جندي من قوات العمليات الخاصة تلمس أصابعهم زنادبنادقهم الآلية في حذر ويقظة. إضافة الى مئات البنادق الرشاشة الأخرى التي صوبتباتجاه الطائرة من النوافذ وعلى الأسطح المجاورة. وعندما دخل الضابط الاسرائيلي الىالمدرعة، كشف عن وجه أمينة الشاحب وأخرج من جيبه صورة لها وقال مبتسماً فيإطمئنان:
لاعليك يا سيدتي . . ستعودين الى إسرائيل أكثر رونقاً . . وبهاءً.
أجهشت أمينة بالبكاء وقالت في لهفة:
هلجاء موشيه معكم . . ؟
أجاب الضابط بدهشة:
موشيه من سيدتي . . ؟
جحظت عيناها في هلع ثم قطبت جبينها وهي تقول:
ألاتعرف زوجي موشيه بيراد . . ؟
ازداد دهشة الضابط الاسرائيلي وأجابها على الفور:
أوه . . الحديث هنا غير مناسب يا عزيزتي . . وعما قليل ستعرفين إجابات كل ما بعقلك منتساؤلات.
قالت في فزع:
أرجوك . . أخبرني فقط أين موشيه . . ؟
أجاب دون تردد:
سيكون اللقاء حاراً في إسرائيل.
هكذا قذف بكلمات لا تحمل إجابة محددة وغادر الىالمدرعة مسرعاً، وترك أمينة تضرب أخماساً في أسداس لا تعرف ماذا يقصد بالضبط. أماالضابط فقد أدرك من سؤالها مدى براعة الخدعة الكبرى التي رسمها لها الفلسطينيون،وما سوف يؤدي اليه من تمزقات بعقل المسكينة البائسة. وبعدما خطا عدة خطوات بعيداًعن المدرعة . . رفع يده ملوحاً في إشارة لزملائه بالطائرة. . الذين كانوا يتابعونهبنظارات الميدان في قلق. وعند منتصف المسافة تماماً بين الطائرة والمدرعة وقف برفقةمندوب الصليب الأحمر . . بينما اتجه المندوب الآخر الى عربة عسكرية تقل ضابطاًفلسطينياً . . انطلقت بهما على عجل الى الطائرة وقبلما يترجلان أمام السلم المشددالحراسة، كان الأسيران يقفان بالباب أعلى السلم حليقا الرأس . . يرتدي كل منهمابنطلوناً بنياً وجاكتاً بنياً أيضاً مبطناً بالفرو. . وعلى وجهيهما تبدو ابتسامةعريضة مؤججة بالفرح والظفر. فلما تعرف عليهما الضابط الفلسطيني . . لوح بيده الىمندوب الصليب الأحمر الواقف بمنتصف الطريق ينتظر إشارته. وعند ذلك . . استقل الضابطالفلسطيني العربة العسكرية الى داخل المطار . . لتبدأ عملية المبادلة بعد دقيقتينونصف.
غييمة الأمل
وفي ذات الوقت الذي أنزل فيه الأسيران بمصاحبة المندوبالدولي، أنزلت أمينة المفتي مع زميله الآخر أيضاً، وجميعهم مشوا بهدوء يزفر بالقلقالى المنتصف، حيث يقف الضابط الاسرائيلي بمفرده. وعندما اجتمع الستة عند نقطةالتقاء واحدة، اتجهت أمينة المفتي مع الضابط الاسرائيلي الى الطائرة واتجه الاسيرانالى صالة المطار يلوحان بعلامة النصر في زهو، ثم وقفا فجأة ونزعا كل ملابسهماالاسرائيلية، وبقيا لدقائق بالشورت الأبيض يهتفان في حماس ونشوة قبلما يدلفاالمبنى. أما أمينة المفتي . . أو آني موشيه – فكانت تمشي وقد فكت عصابتها وقيودهاكمن يمشي الى غرفة الإعدام – ووصف لنا المشهد المثير ضابط قبرصي . . وهو الميجورفنداكوس كوستريدس فقال: "كانت تلك اللحظات أكثر من عصيبة، فما كنت أشاهده عن قربأمر مثير لم أره من قبل . . ولم تر قبرص شبيهاً به على مدار تاريخها. لقد كانتالمرأة التعسة – آني موشيه – ترتجف في ذعر وهي بطريقها الى الطائرة الاسرائيلية،وكانت تجر ساقيها المرتعشتين المتكاسلتين في وهن وهي تتلفت خائرة الى ما حولها . . وتسحب أنفاس سيجارتها بعصبية واضطراب وكأنها تقاد الى الموت". وفي مذكراتها كتبتأمينة المفتي تقول: "لم أكن أسكر من قبل لدرجة فقدان الاتزان عندما كنت أشربالويسكي بشراهة . . ولم يحدث يوماً أن سقطت مترنحة بفعل الخمر . . لكن يومها . . أحسست بأننين كمن شرب برميلاً كاملاً من الخمر الاسكتلندي المعتق . . فلا عقل لديوقتذاك يعي ما يدور حولي . . وما كنت لأستطيع بأية حالة أن أمشي بضع خطوات وحدي دونأن يتأبط المرافق الاسرائيلي ذراعي. فثمة عجز شديد يمنعني عن جر ساقيّ . . وكالمحمومة كان جسدي كله ينتفض . . ويرتعد . . يا لها من لحظات مريرة خلتها تمركالدهر مبلدة بالخوف والألم. كل ما أذكره لحظتئذ أنني فكرت بأمي الحزينة ووالديالمصدوم . . واستحضرت صورتيهما بخيالي ويا ليتني ما فعلت . . فما رأيته كان أبشع منكل تصور . . ويفوق كل وصف وتخيل. ولما صرخت بصوت مسموع احتضنني المرافق وهو يقول: تمالكي سيدتي . . بضع خطوات ونصل الى الطائرة. فانحبس صراخي هلعاً وأنا أتذكراللقاء المجهول الذي ينتظرني . . وتساءلت في نفسي: ترى أهو لقاء موشيه أم لقاءبوجوه جامدة خالية من المشاعر. . ؟ وقبلما نصل الى السلم انسكب بعمري ندم قاس أخذيكبر بداخلي ويستفحل . . ندم يندفع كالطوفان يحرق أعصابي وشراييني . . وتجمعت بعقليفي لحظة كل صور الطيش التي جرفتني في النهاية الى هنا . . الى مصير مظلم ونهايةمفجهة كئيبة لفتاة عربية مسلمة . . فقدت العقل والطريق والوطن والدين والأهل . . والحنان والأمن. فالتفت ورائي لعلني ألمح وجه فدائي عربي جاء لينقذني . . ويختطفنيالى أي مكان آخر غير إسرائيل. . لكن الجنود القبارصة كانوا كالجراد يححبون الرؤيةويزرعون المكان، نسيت وقتها حقدي ورغبتي في الانتقام من موشيه الخائن. . ,كيفلامرأة محطمة مثلي أن تنتقم . . ؟ نسيت حتى إيماني بكراهية الفلسطينيين والعرب. . وتضرعت الى الله أن أعود ثانية الى وطني . . الأردن . . أو أظل كما كنت مكبلةمقهورة بكهف السعرانة الرائع الجميل . . وأفقت عندما مست يدي سلم الطائرة . . فتسمرت ساقاي عن الحركة . . وصرخت بكل ما أمسك من قوة: أنقذني يا الله . . أغثني ياعرفات . . إدع لي يا أمي . . لكن صوت محركات الطائرة طغى على صوتي وصراخي . . وعندها سحبتني عدة أذرع الى الداخل . . وتملكني شعور مقيت بأنني أسحب الى قبري . . فاستسلمت غصباً عني ورحت في نوبة بكاء هستيرية تصلب لها فكي . . ولم أتوقف عنالبكاء حتى وأنا أغادر الطائرة في إسرائيل.
أي عذاب هذا الذي كابدته تلك المرأة لحظة تفجر بداخلهاالندم . . ؟ وأي إفاقة عبرت بضميرها الغافل بحر الظلام . . ؟ وأي تحول أشعل بصيرتهاهكذا فجأة. . ؟ إن عشرات الصفحات من مذكراتها التي تبكي سطورها ندماً أعجزتني ولجمتقلمي عن وصف انفعالاتها وتفاعلاتها التي جاءت في دفقة شعورية صادقة. . تفيض بسحاباتالأسى وبكائيات الشعور والندم . . وترسم صوراً ما أروعها عن الوحشة والتامة والضياعوالحنين . . وانفلات أدنى غييمة أمل قد تلوح من بعيد.
المصير المظلم
في جنح الظلام . . وعند الساعة 20.15 بعد ثلاثةوأربعين دقيقة استغرقتها عملية المبادلة . . غادرت الطائرة الاسرائيلية مطارلارناكا الى تل أبيب تحمل على متنها أقذر جاسوسة عربية استقطبتها الموساد، ومع طلوعالشمس أقلعت طائرة خطوط الشرق الأوسط الى بيروت، حيث كان ياسر عرفات في شرف استقبالالبطلين العائدين، وبرفقته نخبة من القيادات وكبار الضباط، تملؤهم أهازيج الفرحونشوة الانتصار. وعلى العكس من ذلك . . كانت الوجوه بمطار اللد تحت الكشافاتالمبهرة . . أكثر قلقاً وتوتراً . . ودراماتيكية. وأصدر – على غير العادة – قائدسلاح الجو الاسرائيلي أوامره بخروج سرب من الميراج 3 الى عرض البحر لمرافقة الطائرةالقادمة الى قبرص، حال دخولها المجال الجوي. هكذا فعلت إسرائيل أيضاً قبل سنوات معالجاسوسة المصرية هبة عبد الرحمن سليم عامر، لإضفاء الصبغة الاحتفالية الرسمية علىمراسم استقبالها كصديقة، ولإسباغ هالة من الفخر تشعر الزائرة بمدى أهميتها. لكنالأمر وإن بدا لأمينة المفتي مجرد احتفاء بها لا أكثر، كان في الحقيقة احتراز وتخوفمن طائرات الميج 23 السورية: التي قد تقدم على خطفها فوق البحر المتوسط في غارةجوية فجائية غير متوقعة . . وما كان ذلك في حقيقته إلا الحرص الزائد لدىالإسرائيليين، نتيجة عامل الشك المتعاظم في نوايا السوريين.
قبلها . . قالت هبة سليم في مذكراتها: "أحسست يومهابأنني ملكة متوجة . . فعندما اقتربت الطائرة من المجال الجوي الاسرائيلي . . لاحظتأن طائرتين حربيتين رافقتا طائرتي كحرس شرف وتحية لي . . وهذه مراسم تكريمية لاتقدم أبداً إلا لرؤساء وملوك الدول . . حيث تقوم الطائرات المقاتلة بمرافقة طائرةالضيف حتى مطار الوصول . . وفوجئت باستقبال ضخم في المطار يضم إيسير هاريل رئيسالموساد ونخبة من كبار الضباط بينهم مايك هاراري الأسطورة . . فتملكني شعور بالزهولا أستطيع وصفه. . ووجدت بمدخل مكتب جولدا مائير صفاً من عشرة جنرالات – أدوا ليالتحية العسكرية . . وقدمتني اليهم رئيسة الوزراء قائلة: "إن هذه الآنسة قدمتلإسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم لها جميعاً مجتمعين".
وبعدها . . قالت أمينة المفتي في مذكراتها: "ومن خلالزجاج نافذتي لمحت الطائرات الحربية تحوم حولنا . . وللوهلة الأولى خلتها طائراتعربية جاءت لتعيدني من جديد الى لبنان . . فابتهجت . . وكدت أصرخ فرحاً . . لكننيصدمت بعنف عندما رأيت شبح نجمة داود السداسية على مقربة مني. فانطفأ الأمل الأخيربداخلي . . وانطفأت معه كل شعاعات النور في حياتي . . ولم يغزوني ذلك الشعور الجميلبالزهو . . إنه الشعور الرائع الذي سيطر ذات يوم علي مجامع هبة سليم . . عندما كانتتعيش أروع لحظات حياتها في وهم البطولة . . والثقة . . وهي تنظر في خيلاء الىالطائرات التي تنطلق في استقبالها . . لقد تفجرت لديها وقتئذ ينابيع الغرور . . وماأفاقت من حلمها إلا لحظة الإعدام . . لحظة النهاية التي أراحتها الى الأبد منالعذاب والقهر والندم . .فماذا عن نهايتي أنا . . ؟ وأي مصير مظلم يتربص بي. . ؟أعتقد بأن حظها كان أطيب مني . . ذلك لأنني حكمت على نفسي أن أموت موتاً بطيئاً . . داخل مجتمع غريب لن أذوب يوماً في نسيجه . . !!"؟
الغصن الظامئ
335 كيلومتراً تقريباً قطعتها الطائرة الاسرائيلية منقبرص الى تل أبيب في نصف الساعة . . كانت أمينة المفتي أثناءها تدور في دوامة شرسةمن الأفكار والمخاوف، ويتواصل بأعماقها شجن مسعور يطفو الى حلقومها كالحصرم يفيضأسفاً وندماً. وما أن حطت بها الطائرة في مطار اللد حتى رأته أمامها مبتسماً . . إنه إيربيل أشيتوف الضابط المنوط بها طوال وجودها في لبنان . . لقد صعد الى الطائرةقبلما تتحرك أمينة في مقعدها . . احتضنها في ود بالغ وهو يربت على كتفهاقائلاً:
آني . . أيتها العزيزة العبقرية . . مرحباً بك في وطنك إسرائيل.
أجابته وهي ما تزال تنتحب في صوت متقطع.
كانوا سيقتلونني . .
قاطعها أشيتوف مستنكراً:
مستحيل . . لم يكن بمقدورهم فعل ذلك على الإطلاق .. ألم أؤكد لك من قبل أننا لننتخلى عنك أبداً وسنحميك تحت أحلك الظروف . . ؟
قالت في نبرة تفيض بالعتاب:
سنوات طويلة وأنتم لا تفعلون شيئاً.
غمر صوته فيض من حنان زائف وأجابها:
كيف . . ؟ لقد كنا نتباحث معهم . . وتدخل العديد من أصدقائنا لإخراجك . . ولو أننا كنانعلم بمكانك لاختطفك رجالنا بسهولة . . لكن فشلنا في العثور عليك . . وها أنت الآنبيننا.
اشتد نحيبها المرير وأردف أشيتوف:
نحننثق تماماً في مدى إخلاصك . .ونقدر بكل عمق خدماتك العظيمة . . وسوف تعيشين هنا فيأمان واطمئنان . . ففاجأته قائلة:
أينموشيه . . ؟
بهت ضابط الموساد وغمغم في دهشة:
سيدتي . . أنا لا أفهم . . ماذا تقصدين بالضبط . . ؟
بصوت مبحوح يموج بالأسى كررت سؤالها وعيناها معلقتانعلى شفتيه:
أينزوجي موشيه براد . . ؟
وبدهشة أكبر أجابها:
موشيه . . ؟ زوجك . . ؟ أيتها المسكينة . . ماذا فعل بك هؤلاء الأوغاد في لبنان . . ؟
ولما قرأت عيناها إجابته صرخت بعنف وحدة غيرمصدقة:
لاتكذب يا أشيتوف . . هم أكدوا لي بأنه أسر في سوريا . . ورأيت صوره بنفسي في الصحف . . فلماذا تكذب . . ؟ هه . . ؟ أما زلتم تتآمرون علي كما تآمرتم من قبل . . ؟ إنموشيه هنا . . حي . . لم يمت . . جئني به ليشاهد آثار غدره ونذالته على جسدي ووجهي . . دعني أراه أيها الوغد القذر . . يا أقذر من الجيف لا تخدعني أكثر من ذلك.
وبينما يمسح أشيتوف بصقتها التي افترشت وجهه .. انقضتعليه بأظافرها وأسنانها في شراسة . .وتدافعت في غليان يفور بالغضب تبطش بالجميع . . لا يكاد صراخها المجنون يخفت حتى ينطلق حاداً من جديد . . وما أشبهها في تلك اللحظةبحيوان مصاب هائج أحكم الصيادون حصاره . . وبرغم إصابته وعجزه فهو يقاوم . . مقاومةالمذبوح الذي فيه بقية من روح.
أخذت أمينة محطمة صاغرة الى عيادة خاصة داخل مبنىالموساد بشارع كيريا . . حيث أخضعت لرعاية طبية مكثفة بدنياً ونفسياً . . الى أنأفاقت تماماً الى واقعها المرير . . والى حقيقة كون زوجها موشيه ما يزال مفقوداًولم يعثر له على أثر . . وأن الفلسطينيين استطاعوا بذكاء شديد خداعها في لعبةمخابراتية بارعة . . لكنها في النهاية أدركت حجم مأساتها وخسارتها . . ومدى الجرمالذي ارتكبته في حق نفسها . . وفي الاستجواب المطول الذي تعرضت له في إسرائيل . . لم تستطع أن تنكر إحساساتها بالندم . .وأعلنت أمام مستجوبينها بأنها كانت غبيةحمقاء عندما أحبت موشيه وتزوجته . . وحقيرة جداً وهي تتجسس على الفلسطينيين وتقتلهمبيدها . . لكن ما جدوى ذلك بعدما حدث ما حدث . .؟ وبعدما أيقنت أن لا مكان لها فوقسطح الأرض سوى في إسرائيل . . ؟ إنها ضريبة الخيانة التي لا بد لكل خائن جبان أنيتذوقها . . فلتذق في مأمنها لسع الحسرة ينهش كبدها ليل نهار . . ولتحرقها في ضراوةبراكين الندم الى أن يذبل عودها . . وتتقشب كالغصن الظامئ بفلاة قاسية . . ملحية . . جرداء . . !!
بحر بلا مرفأ
انتهت مسؤولية الموساد تجاه أمينة بوصولها الى إسرائيلواستجوابها . .ومنحها ستين ألف شيكل مكافأة (!!).
وتولت من بعدها سلطات الأمن الداخلي "الشين بيت" حمايتها وتوفير سبل العيش لها. وكانت الخطوة الأولى هي تغيير محل إقامتها في ريشونلتسيون الى مستوطنة كريات يام شمالي حيفا . . حيث منحت مسكناً مستقلاً بشارعهابحيفيم هرتسليا . . تستطيع من شرفته مشاهدة البحر . . وتمييز جنسيات السفن فيحركة دخولها الى ميناه حيفا أو مغادرته . . هكذا قبعت أمينة المفتي – 41 عاماً – تجتر الذكريات وتكتب قصة حياتها وخيانتها بتفصيل دقيق . . متجاهلة رونا إيزاك ضابطةالأمن المرافقة لها. وما أن مرت أشهر قليلة . . حتى تجرأت واتصلت تليفونياًبشقيقتها الوحيدة المقيمة بروما مع زوجها . . وباختصار شديد ننقل بعض ما كتبته عنذلك الاتصال إذ تقول:
كنت أسعى لأتنسم روائح أهلي ووطني . . وكان المذياع هوسلواي الوحيدة . . وتليفون أختي فاطمة في روما الذي سقطت مني بعض أرقامه. وبعد مئاتالمحاولات الخاطئة سمعت صوتها. فرقص فؤادي طرباً . . وانتعشت حياتي برواء لذيذ ماأبهاه وأجمله . . وهتفت فيها: يا أختاه . .إنه أنا. . أختك أمينة . . فصمتت طويلاًثم قالت بصوت مختنق: أنا لا أعرف أن لي أختاً . . كانت لي يوماً ما أختاً ماتت . . وعالياً . . عالياً جداً صرخت: ماتت واختفت من ذاكرتي. احتبس لردها صوتي وشل لساني . . وعاودت مهاتفتها مرات ومرات وكنت أتضرع اليها لتسمعني بلا فائدة . . حتىاستبدلت رقم هاتفها بآخر وفقدت بذلك سماع صوتها . . وخيم الأسى على عمري وانزرعبخفاتي . .".
عاشت أمينة بعد تلك الحادثة حياة مضطربة . . حاولت قدراستطاعتها أن تستكين وتهدأ لكنها كانت أضعف من أن تقاوم أو تصمد . . أو مجرد أنتشعر بطمأنينة من يمتلك مليون دولار مثلها . . إذ انسحقت سحقاً وسط معاناتها . . وخرت صريعة الحسرة والكمد بمستشفى كريات يام لشعور طويلة. وعلى فراش المرض عادت منجديد تقلب في ذاكرتها . . وتبعت ما مات من أحداث مرة أخرى بأسلوب صريح واضح . . الىأن فوجئت ذات مساء بالسيد "براد" وزوجته جاءا من فيينا لزيارتها. كان اللقاء حميماًمشحوناً باللهفة . . والشجن . . والدموع.
هما يبكيان فقد موشيه وسارة . . وهي تبكي حظها العاثروانجرافها بسبب الحب الى بحر يتعاظم بالكآبة والضياع . . طلباً منها أن ترافقهماالى النمسا فتهللت فرحاً . . لكن السلطات الأمنية رفضت خروجها من إسرائيل حفاظاًعلى حياتها. ومع بداية غزو لبنان في يونيو 1982 – في محاولة شبه جادة لدحر الوحدةوالملل، افتتحت أمينة عيادة خاصة بها في المستوطنة التي يقطنها 22 ألف يهودي حتىإذا ما مرب بها ستة أشهر تقريباً انفجرت حياتها ألماً وأنيناً عندما استمعت الىإذاعة لبنانية . . أذاعت مقتطفات عن سيرة حياتها . . وكيف مات أبوها بسببها وفقدتأمها النطق.
ومنذ تلك اللحظة قررت أن ترى أمها . . وتحت أخطرالظروف وأصعبها . . تقول في مذكراتها: "ندمت . . وصرخت في وجه الضباط الموساد بذلك . . فأبوا أن ينصتوا لي . . اعتقدوا بأنني أهذي لفرط توتري . . لكنني أكدتها مراتومرات . . ونقطت بالشهادتين أمامهم فما صدقوني . . ولما علمت بموت والدي حزناً . . لم تعد لدي أدنى رغبة في أن أعيش بعد ذلك . . فذهبت لمبنى الموساد وقابلت الرئيسالجديد ناحوم أدوني . . وطلبت منه أن يحقق رغبتي في العودة الى عمان . . على أنيتدخل الملك حسين شخصياً ليشفع لي عند أهلي . . وتركت للملك رسالة قلت فيها إننيكنت وراء كشف محاولة اغتياله في الرباط.
ووعدني الرئيس بأنه سيابشر اتصالاتهبأصدقائهفي الأردنعلى الفور.
ظلت أمينة تنتظر الرد . . وطال الانتظار القاتل يفتكبمجامعها حتى غلبها اليأس . . واستنزفها الضجر. . وبعد ثلاثة أشهر أو يزيد . . زارها ضابط الموساد حمل اليها نبأ رفض أهلها عودتها اليهم . . فلما كذبته أخرج لهاشريط كاسيت أرتجف بدنها وهي تتسلمه. وما سجل على الشريط كان يفوق احتمالها . . فأسرتها بالكامل – والدتها وأشقاؤها وأعمامها وأخوالها – تمنوا لها الموت على ألاتطأ الأرض الأردنية بقدميها . . هكذا ألقيت أمينة ببحر حالك بلا مرفأ . . فتاهت بينمده وجزره تتخبط ما بين السطح والقاع.
النهاية
وفي مطلع عام 1984 نشرت مجلة "بمحانية" العسكريةالاسرائيلية خبراً صغيراً يقول إن وزير الدفاع أصدر قراراً بصرف معاش دائم للمقدمآني موشيه بيراد التي تصدرت لوحة الشرف بمدخل بمنى الموساد، وهي لوحة تضم أسماءأمهر العملاء "ويطلق عليهم الأصدقاء" الذين أخلصوا لإسرائيل. . وقدموا إليهامعلومات عن أعدائها ساعدت على إحراز انتصارات عظيمة . . أما عن نهاية أمينة المفتي - فقد قيلت روايات عديدة في ذلك:
إحدى الروايات تؤكد بأنها حصلت على وثيقة سفر أميركيةباسم جديد . . وتعيش الآن بولاية تكساس حيث تمتلك مزرعة واسعة. وتزوجت من بحارإسباني ولم تنجب.
رواية ثانية تزعم بأنها أجرت تعديلات بوجهها بمعرفةالموساد . . وتعيش بجنوب أفريقيا منذ عام 1985 تحت اسم مزيف . . وتعمل في الاستيرادوالتصدير، وأنجبت ولداً من ضابط روماني أسمته موشيه.
ورواية ثالثة تقول إنها انتحرت بحقنة هواء داخل حجرتهابقسم الأمراض العصبية بمستشفى تل هاشومير، وهو مستشفى يعد من أكبر مستشفياتإسرائيل، ويقع بحي راق في منطقة يطلق عليها: تل لتفنسكي، ثم عدل اسمها ليصبح تلهاشومير. وباعتقادي أنا – من خلال تشريحي لشخصية أمينة المفتي - لا أظن أنها انتحرت . . فهي وإن كان قد جبلت على العدوانية مع الآخرين لن تكون عدوانية مع نفسهامطلقاً. ذلك لأنها تحب الحياة . . وتعشق اللهو . . وتبحث عن المغامرة . وامرأة بمثلمواصفاتها وبحوزتها مليون دولار لن تقدم على الموت بسهولة لأنها اختارت طريقالخيانة منذ سافرت الى النمسا لأول مرة . . فقد عرفت وقتها كيف تخون أهلها ودينهابالشذوذ والجنس مع حبيبها اليهودي الذي منحته جسدها بلا أدنى ندم . . على كل حال . . تلك مجرد روايات غير مؤكدة . . وأقربها الى عقلي أنها لا زالت تعيش داخل إسرائيلكغيرها من عشرات الجواسيس العرب الذين خانوا بلادهم وعملوا لصالح الموساد . . ولنأقيس نهايتها كنهاية الطيار المصري الذي سبق أن هرب لإسرائيل عام 1965 بطائرته، ثمبدل ملامحه وسافر للعيش في بيونس أيرس بالأرجنتين . . فهناك تباين بين الحالتين ولاوجه للمقارنة بينهما أو لظروف كل منهما . . فأمينة المفتي أجبن من أن تغامر وتغادرإسرائيل . . بل أجبن من أن تتجول في تل أبيب أو القدس نهاراً وعلى الملأ. . ويكفيأنها اختارت لإقامتها مستوطنة يهودية محصنة خوفاً من أن تطولها يد عربية في يوم منالأيام . وسواء غادرت الخائنة إسرائيل أم لا زالت بها . فهي الآن عجوز تعدت الواحدوالستين عاماً . . تاريخها في الخيانة على صفحات التاريخ لن ينسى أبداً . . وقصتهامع التجسس ستظل عبرة على مر الزمان . . ذلك لأنها أشهر جاسوسة عربية للموساد حتى اليوم . . !!

sayednow
05-12-2007, 11:02PM
شكراً جزيلاً لموضوعك يا محمودالبدوي...