المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أشهـــر جاسوسـة عربية لدى الموساد .. ح (7) .


محمودالبدوي
05-12-2007, 10:51PM
الحلقه السابعه :
السقوط في الفخ

كان الوقت قرب الفجر عندما أفاقت الفتاة، وأخذت تهذي باللغة الفرنسيةالتي كانت أمينة تجيدها فانتبهت الأسيرة اليها وقد خرجت عن محيط الهلع الذي غلفها،لقد حاولت أمينة طوال ساعتين أن تتحدث مع الفتاة دون جدوى. وما إن نطقت الأخيرةببضع كلمات حتى صاحت أمينة بالفرنسية.
أو . . يا عزيزتي . . حسبتك عربية مثلي.
كان الظلام شديداً جداً بداخل الكهف. وبرغم ذلك كانتأمينة تتجه بوجهها ناحية الفتاة وتبحلق في انتباه، وجاءها صوت ضعيف واهن تمتزج بهحشرجة تتأرجح على اللسان في صعوبة:
أأنت عربية. . ؟n
نعم. . من الأردن . . لماذا يفعلون بك ذلك . . ؟
حظي المشؤوم يا عزيزتي . . حظي هو الذي جاء بي الىnهنا.
فرنسية أنت؟
من شيربورج على بحر المانش.n
لماذا أنت هنا. . ؟
قصة طويلة لن أستطيع سردها. كل ما أطلبه منك أنnتحفظي هذا الرقم جيداً، ولا تنسيه أبداً إن أطلقوا سراحك. إنه تليفون أمي فيفرنسا.
أولن يطلقوا سراحك؟
لا أظن . . فهم أناس متوحشون لا يعرفون الرحمة.n
أرجوك . . ساعديني وقصي علي حكايتك قبلما يجيئون . . ما اسمك أولاً يا أختاه . . ؟
سيمون . . سيمون دوابرفيه . . وأنت . .؟n
أناأمينة . . أمينة المفتي. طبيبة متطوعة في لبنان. اعتقلوني بتهمة التجسس لحسابالموساد.
أوه . . يالحظك السيىء . .هل فعلوا معك مثلي؟n
من . . ؟
رجال الموساد هؤلاء الأوغاد الأغبياء. طلبوا منيnأثناء سياحتي في إسرائيل أن أصور لهم ميناء صيدا ومخيمات اللاجئين، ومنحوني خمسمائةدولار مقدماً وكاميرا تلسكوبية. وبينما أقوم بمهمتي اعتقلني الفلسطينيون وعذبونيلأرشدهم عن بقية أعواني في لبنان مقابل إطلاق سراحي.
أوأرشدتهم. . ؟
أقسمت لهم ألف مرة بأنني لا أعرف أحداً بلبنان لكنهمnلا يصدقون. عشرة أيام هنا في الكهف اغتصبني أثناءها ثلاثون كلباً منهم، وماذقت سوىالخبز الجاف والماء العطن. لقد ضيعت نفسي بغبائي وحماقتي وحتماً سيقتلونني هنا. "انفجرت في بكاء هستيري" – أرجوك . . أمي ستموت حزناً لأنني وحيدتها . . اتصلي بهاواخبريها بما حدث لي "وذكرت رقم الهاتف".
أنالا أضمن لك ذلك "بيأس" فمصيري أنا الأخرى مجهول. . ومظلم كهذا الكهف الكريه.
هل يشكون بك أيضاً. . ؟ إنهم أناس مرضى بالشك.n
نعم. . يشكون بي ولا دليل واحد لديهم.
بهمس . . أخدعك رجال الموساد مثلي. . ؟ لقد أقنعونيnبأن الفلسطينيين أغبياء . . وفي حالة انكشافي فلن يتركوني بين أيديهم أبداً،وسيخطفونني كما خطفوا إيخمان النازي من الأرجنتين.
همقالوا لي أكثر من ذلك "هكذا سقطت أمينة في الفخ" ووعدوني بألا يمسني أحد مهما كانتظروف اعتقالي .
بهمس: لا تعترفي بأي شيء لهم فكلما اعترفت طلبواnالمزيد ...والمزيد واطلقوا كلابهم تفتك بك في ضراوة .
أخشى ألا يرحموني.
سيعدونك بإطلاق سراحك: لأنك أجنبية، إذ أرشدتهم عنnشركائك. لكنهم لن يفوا بوعدهم . . لن يفوا أبداً.
أوه . . يا الهي . . لقد جاءوا ليقتلوني.
فجر الحياة
قطع الحوار بينهما وقع أقدام ثقيلة تقترب، وسرعان ماظهر ثلاثة ضباط يتبعهم عدد من الجنود يحملون الكشافات المبهرة، تجاهلوا أمينةواتجهوا الى الفتاة الفرنسية على بعد أربعة خطوات منها، وكانت المسكينة ترتجف فيرعب، تلهث عيناها الزائغتين بحثاً عن شعاع أمل لإنقاذها، لكن الضابط الكبير الذيكان يبدو متبرماً عجولاً، أمر أحد مرافقيه أن يسألها لآخر مرة عن أعوانها في لبنان،ولما أجابت بالنفي أشار بيده في حركة ذات مغزى، فاصطف أربعة جنود يحملون بنادقهمالآلية، واتخذوا وضع الاستعداد وقد جذبوا أجزاء الرشاشات. وانطلقت الرصاصات الى صدرالفتاة فافترشت الأرض كومة من حطام. وامتد صراخ أمينة يشرخ جدران الكهف الصخرية،ويتموج ملتاعاً في جوف الليل الى عنان الفضاء، صراخ هيستيري متواصل يحمل أبشعمشاعرها رعباً وهي التي تعودت التوحش والسادية، وانتزعت ما بداخلها من نبضات رحمةوحنان. عندئذ قال أحد الضباط لقائده:
سيادة العقيد أبو الهول . . ألا نعدمها هي الأخرى؟
أجاب أبو الهول على الفور:
لو لم تتكلم قبل منتصف النهار، فلن نجد حلاً آخر.
ومشيراً الى الجنود في قرف:
إرموا الجثة خلف الجبل، ودقوا رأسها بالصخور.
غمرت الكشافات جثة الفتاة الغارقة في دمها، وهنا . . هنا فقط . . عندما سحبوها من ذراعيها الى الخارج، ووقعت عينا أمينة على المشهدالمروع، انهارت تماماً . . وفقدت آخر قلاع دفاعاتها، وصرخت في ذلك وضعف تستغيث:
سأتكلم . . سأقول لكم كل شيء . . أخرجوني من هنا لأنني خائفة من الدم . . أخرجونيلأتكلم.
وبصوت أجش صاح فيها أبو الهول:
أنت كاذبة . . ومخادعة . . وستضيعينوقتنا هراء.
وبحسم قال آمراً:
علقوها من ساقيها واضربوها بالكرباج. وتحرم من الماء والطعامحتى أعود قبل الظهر.
وعند مدخل الكهف. . كانت الفتاة الفرنسية تقف في زهو،وقد علت وجهها ابتسامة رقيقة تتخلل الدم المستعار، وعندما أدركها أبو الهول ، ربتعلى كتفها وقال وهو ينظر بعيداً حيث الفجر الوليد:
انظروا الى صديقتنا فرانسواز (*) . . إنها حقاً قامت بمعجزة. ونحن جميعاً نجلها لإخلاصها لنا. إنه إخلاص نقي بريء. . يشبه الفجر . . فجر الحياة . ونطقها بالفرنسية L’autre de la vie .
طريق الخلاص
وبينما يغادر العقيد أبو الهول كهف السعرانة ترافقهفرانسواز كاستيمان، كان صراخ أمينة لا يزال يتردد عالياً عبر الجنبات موشم بالهلع: أخرجوني . . سأتكلم . . سأعترف.
لكن الجنود كانوا قد شرعوا في تنفيذ أوامر قائدهم، إذكبلوا قدميها بحزام عريض من الجلد، وعلقوها كالشاه الى سقف الكهف بواسطة سلسلةحديدية، وانهالوا على جسدها ضرباً بالكرابيج.
هكذا رسم الضابط الذكي خطته المحبكة لانتزاعاعترافاتها بأسرع ما يمكن، معتمداً أولاً على المتطوعة الفرنسية المخلصة في بثالرعب بقلب أمينة لتطويعها، واللجوء الى التعذيب الشديد ثانياً لتخور تماماً . . وفي خلال ساعات معدودة. فقد كان هناك وعد، أبو اياد لوزير الداخلية اللبناني الشيخبهيج تقي الدين: بإنهاء التحقيق مع أمينة خلال ثلاثة أيام فقط، تسلم بعدها الىالسلطات اللبنانية، وها هي الساعات الحرجة تمر سراعاً، ولم يتبق من المهلة سوىخمسين ساعة، بعدها لن يسمح بإبقائها رهن التحقيق لحظة واحدة، إذا لم يكن هناكاعتراف منها صريح، وواضح . . وعندئذ . . ستغادر لبنان في بجاحة المنتصر وهي تخرجلسانها للفلسطينيين.
لذلك . . عمد أبو الهول الى تجاهل رغبتها في أن تعترف،فهو يدرك لسابق خبراته الطويلة، أنها ستلف وتدور وتحيك الأكاذيب إذا ما أنصت اليهافوراً. . ولكي لا يضيع الوقت هباء . . رأى أن التعذيب بتلك الوسيلة سيختصر المسافةوالوقت، خاصة وأنها تنطلق بشدة الى قمة لحظات الضعف الانساني، خوفاً من الاعدام. وهي المتمسكة والراغبة في الحياة، لقد كان الاقتتال عنيفاً مع عقارب الزمن، ومع تلكالمرأة الخائنة الذكية، التي دربت في الموساد على المراوغة والدفاع. لذا فالتعذيبالمؤلم سيصيب إرادتها بالشلل، ويقضي على تفاعلات عقلها وشحنات المقاومة به، بل إنهسيجتث فيها الكذب والخباثة، ويحيلها الى مجرد امرأة لا تفكر سوى في إنقاذ حياتها،مهما كانت التضحيات والخسائر، متجاهلة كل وعود الموساد بحمايتها، فالألم المصحوببالهلع طريق سهل أحياناً للسيطرة على نوعية معينة من الجواسيس، إذا ما اغلقت أمامهمأبواب النجاة والأمل، والعقيد أبو الهول لم يعتمد على هذين الأسلوبين فقط، بل نشطفي استغلال كافة ما لديه من معلومات ، حصل عليها رجال رصد في فيينا، لإخضاع العميلةإخضاعاً تاماً لا شك فيه ، وظهر ذلك جلياً في أسلوب الاستجواب المعقد الذي انتهجهبعد ذلك.
كانت الدقائق تمر رهيبة الوقع على العميلةالاسرائيلية، التي آمنت من قبل بأكذوبة الموساد الأسطورية، بأن الفلسطينيين لنيكشفوها أبداً، لأنهم رتبوا كل شيء لحمايتها في حالة كشفها، فرجال الكوماندوزالإسرائيليين، خاصة فريق العمليات الخاصة المعروف باسم السايريت ماتاكال سيعثرونعليها وسيخطفونها الى إسرائيل بالقوة، كما فعلوا مع النازي أدولف إيخمان الذي خطفوهمن الأرجنتين عام 1960 وأعدموه في تل أبيب، ومع الطفل يوسيل شوماخر الذي اختطف منإسرائيل عام 1959 وعثرت عليه الموساد في نيويورك عام 1962 لكن العميلة الواهمة وقدأفاقت على الحقيقة المؤلمة، لفظت إيمانها العميق بالموساد، وآمنت – لحظة صراخهاأمام مشهد الاعدام – بأن الاعتراف بصدق هو طريق الخلاص الوحيد من النهاية المرعبة. أما وقد علقوها الى السقف وتناوبوا ضربها بالسياط، فقد اشتد إصرارها على الاعترافليكف الجنود عن تمزيق جسدها، لكن الجند لم يرحموها . . واستمروا في تعذيبها دوناكتراث بصراخها، أو الى حقيقة أنهم يضربون امرأة . . كانت عربية !
شهقة المصدوم
وقرب الظهر . . توقف أسفل مدخل الكهف سيارة جيب، ترجلمنها ضابط برتبة مقدم وجنديان يحمل أحدهما حقيبة متوسطة الحجم، تحمل جهاز تسجيلمتطور ذا سعة عالية. وضعها بعناية فوق قطعة صخرية مستوية بالقرب من أمينة، وانهمكالآخر في شد الأسلاك الكهربائية الى بطارية السيارة الجيب بينما وقف الضابط يقلببعض الأوراق بين يديه، متجاهلاً الالتفات الى أمينة المفتي وسألها في صوت حادأجش:
من هو رئيسك المباشر في الموساد؟ "ويطلق عليه ضابطالحالة". وبصوت كأنه همس الموت أجابت في وهن:
سأموت عطشاً . . اسقني و . . .
وقبل أن تكمل الجملة رفع الضابط إصبعه، فهوى على ظهرهاسوط ثقيل، ذات صداه وسط صراخها الشديد، وأجابت على الفور:
أشيتوف . . إيرييل أشيتوف.
فقال وهو لا يزال ينظر الى الأوراق بين يديه: أين جهازاللاسلكي ونوتة الشفرة؟
أجابته في سرعة مذهلة وهي ترمق الجندي ذي الكرباجبخوف:
أمروني أن أضعه بصندوقالقمامة أعلى شقتي ببيروت وأن أحرق أوراق الشفرة التي كانت بالمصحف.
كم تقاضيت من الموساد مقابل التجسس علينا؟
لمآخذ سوى أربعة آلاف دولار، وكنت أنفق من أموالي الخاصة لأنهم صرفوا لي تعويضات زوجيالمفقود.
هذه المرة التفت اليها الضابط وهو يصيح في انفعال: أتعودين الى الكذب ثانية أيتها المومس، وتدعين بأنك تنفقين من جيبك علىالموساد؟
صرخت أمينة في رعب: سيدي الضابط . . إنها قصة طويلة . . "أجهشت بالبكاء" وأنت لمتسألني عن البداية . . أرجوك . . اسقني وسوف أدلي باعترافي منذ بدأت القصة.
صاح فيها الضابط محتداً وهو يلوح ناحيتها بمسدسه: عنديأوامر صارمة بأن أقتلك فوراً بالرصاص، إن تأخرت في الإجابة على أسئلتي، فكوني حذرةفي اختيار ألفاظك وإياك والكذب. أنبهك ثانية: إياك والكذب أيته العاهرة، فنحن نعرفعنك كل شيء. . كل شيء بالتفصيل منذ خدعك موشيه وتزوجك . . وهاجر الى إسرائيلتنفيذاً للخطة المرسومة، أفكنت تعتقدين بأنه أحبك حقاً؟ خرقاء أنت إن كنت صدقت ذلكفيهودي مثله لن يعاف حسان قومه ليقترن بدميمة مثلك.
هكذا كانت خطة الخداع الفلسطينية التي تعتمد على زرعالشك في صدر أمينة، والتلويح بوجود قصة كذب محبوكة جيداً وراء عملية تجنيدها . . ولكي يسيطر عليها الشك تماماً وهي في حالة الضعف تلك، مسلوبة الإرادة والتفكيرالنقي، استمر الضابط في سرد بعض التفاصيل المأخوذة عن مذكراتها.
لقد وقعت أيتها الغبية في شبكة خداع متقنة أوقعتك بها "سارة" التي هي في الأصل عميلة للموساد، واستطاع رجالنا الإجهاز عليها في فيينا،وفي إسرائيل خدعوك مرة ثانية، عندما ادعو بأن موشيه انفجرت به الطائرة فوقسوريا!
ولأنها كانت أضعف من أن تفكر . . أو تحلل ما قالهالضابط الغليظ القلب، شهقت شهقة المصدوم، وهزت بعنف رأسه المدلاة وهي تئن في غيروعي:
مستحيل . . مستحيل أنيفعل موشيه ذلك. أنا لا أصدق . . "النفي هنا مشبع بالاستسلام والرفض معاً" كالدهركانت تمر اللحظات القليلة، التي تذكرت أمينة أثناءها قصته منذ البداية مع سارة،وكيف شاركتها الشذوذ وجرتها الى حياة الهييبيز البوهيمية، حتى أخذتها معها الىوستندورف في زيارة لأسرتها بلا موعد.
فهناك التقت بشقيقها موشيه الضابط الطيار، فانجرفت معهبلا عقل في قصة حب مجنونة . .محرمة، تخللها الجنس الذي عشقته معه حتى أدمنته،وأسلمت اليه قياد نفسها طائعة . . بلا إكراه.
وتساءلت أمينة في نفسها، برغم رائحة الموت التي تزحفمن حولها: ترى . . هل كان موشيه صادقاً في حبه . . أم أن القصة كلها مجرد خدعةلذيذة . . تقودها الى الاعدام. . ؟.
كان حديث الضابط الفلسطيني ذي الوجه الجامد يفتكبمجامع عقلها المنهك . . ويغوص بها في محيط لا آخر له من الشك. . والخيبة . . والاندحار . .ورددت في نفسها غاضبة . . "إذاً . .خدعتني سارة . . وأحكم موشيه حلقةالخداع حول رقبتي". هنا . . هنا فقط . . نجحت تماماً خطة أبي الهول في زعزعة ثقةالعميلة في قصة حبها، وفقدت بذلك السيطرة على عقلها. كذلك فقدت الهدف الذي من أجلهخانت وقتلت . . ودمرت، وباعت من أجله دينها ووطنها. وبضياع الهدف الرئيسي من وراءتجسسها، انقلب إيمانها بالانتقام من العرب الى هدأة رفض هي مزيج من الحسرة . . والندم. لكنها – فيما بعد – أوجدت مبررات أخرى لفعلتها، في محاولة لتسكين لسعةالمرارة التي التصقت بعقلها.
رائحة العذاب والموت
كان الموقف عصيباً جداً عند أمينة المفتي. فقد أجادالعقيد أبو الهول التعامل معها بتدرج حتى أوصلها الى مرحلة الشك. . فالترنح . .وليسهناك من شيء بعد الترنح سوى السقوط. وعند السقوط يكون المرء في أقصى حالات ضعفه . . ويأسه . . وقهره . .فلا عقل لحظتئذ أو إرادة، إنما انصياع للآخرين يغلفه الخوار. وفي مذكراتها تصف أمينة بتلقائية شديدة تلك اللحظات الحاسمة من حياتها، التي عاشتهافي كهف السعرانة، وجاء وصفها لتفاعلاتها الداخلية في سرد رائع صادق، يحمل كلصراعاتها من أجل الحياة. مذكرات حوتها صفحات طويلة لا يستوعبها مجلد ضخم. ضمنتهاخلجات نفسها بصراحة، معتمدة على أسلوبها الشيق في الوصف والتحليل بلغة عربية بسيطة. ولنقرأ معاً ما كتبته عن مرحلة الترنح. تقول أمينة المفتي: "عشت أسوأ لحظات حياتيبعدما أطلقوا الرصاص على الفرنسية أمامي. كانت الفجيعة على عمري قاسية، والألمالنازف أقصى . . وقلت في نفسي: هكذا يموت الخونة، وتصورت أنني سألقى ذات المصير،وكأنني كلب عقور لا ذكر لي . . ولا اعتبار. وتعجبتمن الضابط الشرس – أبو الهول – الذي أرعبني اسمه، فهو لا يريد أن يسمع اعترافي. كان لا يثق بي بالطبع فزميله أبوداود ضج مني وفشل معي من قبل. لقد كان أبو داود طيباً ومريحاً . .أما أبو الهولفحروف كلماته طلقات رصاص. ارتعد بدني وأنا أستعيد ملامح وجهه، ووددت لو أنه جاءثانية لاستجوابي بنفسه. فساعتئذ لن أنتظر منه سؤالاً واحداً، نعم . . قررت ألاأتركه يسألني، لأنني سأقول له كل شيء . . وبسرعة . . قبلما يثور فيأمر بإعدامي. لكن . . لم يجيء أبو الهول . . أرسل بدلاً منه ضابطاً آخر يماثله في الشراسة والقسوة. ضغط بعنف على اعصابي، أشعرني بتفاهتي . . وحقارتي ورأيت الموت يتربص بي بين أصابعه. بل كنت أراه متحفزاً في ماسورة مسدسه. كنت لا أنوي خداعه أبداً أو مراوغته، فلاحيلة أمام سهام الموت المصوبة تجاهي. لكنني . . تمنيت للحظة ألا أموت ويلقى بجسديفي العراء، وكان ذلك عندما اكتشفت أنني ضحية مؤامرة قذرة، بطلها زوجي موشيه . . وسارة والموساد. في تلك اللحظة تمنيت ألا يقتلونني . وتضرعت الى الله نعم . . الىربي الذي عصيته وكفرت به – أن ينقذني . . لأرى موشيه – موشيه الرومانسي الرقيقالحنون الذي خدعني . . وأضاعني. كنت في حالة صراع قاسية. . صراع بين حبي لموشيهالذي بلا حدود وبين الحقيقة التي تفتك بي. واسترجعت شريط حياتي كلها في لحظة، ووقفتعند حكايتي مع موشيه. وتساءلت . . ماذا سأفعل معه لو أنه كان حياً بالفعل فيإسرائيل . .؟ هل سأنتقم منه أم سأضعف أمامه وأصفح. . ؟!
سيطر الضابط المحقق على أمينة المفتي، فخضعت له فياستسلام وقد خارت عزيمتها، وهوت صريعة الرعب في كهف موحش وسط الجبال . .تنبعث منهرائحة العذاب . . والموت. وفاجأها الضابط بسؤال صاعق:
معمن مارستِ الجنس في لبنان . . ؟
بصوت مرتعش أجابت بعد لحظة تفكير قصيرة . .تسعة . . !
وكأنما أرادت تأكيد صدق إجابتها أضافت . . لبنانيانيعملان معي هما مارون الحايك ومراون عساف الموظف بشركة الهاتف، وضابط فلسطيني فشلتفي تجنيده اسمه أبو ناصر وخمسة أجانب.
هؤلاء ثمانية فقط، مَن التاسع؟
أجابت بنبرة خجل شديدة . . خديجة زهران . . !! وهي أول من عرفت في لبنان وتملكمحلاً للملابس اسمه اللوار L OIRE .
كانت تمطر دما
في كتابه الشيق "قبل الإفاقة" يقول ضابط سوفييتي اسمهليونيد يوكوف، وهو خبير بشؤون المخابرات ومتخصص في استجواب الجواسيس والخونة.
عندما ينهار العميل المعتقل ويعترف بأول معلومة بعدجهاد، يكون كالكهل الذي يرتقي الجبل، ويجر خلفه سلسلة طويلة متصلة الحلقات تمتد بينالحصى والصخور، كلما جلس ليستريح دق بعض حلقاتها ليسهل عليه الجر.
وقد يعتقد البعض أن اعترافات أمينة المفتي التي أدلتبها لا تفي بالغرض. فالضابط الفلسطيني لم يسألها سوى خمسة أسئلة فقط. وأقول: لقدحملت إجاباتها اعترافاً صريحاً بالتعامل مع الموساد، وكذا أسماء شركائها في شبكةالجاسوسية، وعند هذا القدر الهائل من المعلومات في الاستجواب الأول. ظهر فريق منرجال المخابرات الفلسطينية يترأسهم العقيد أبو الهول، لمهمة مباشرة التحقيق معالجاسوسة المنهارة، دون منحها فرصة واحدة للراحة أو لاسترداد أنفاسها، إنه التوقيتالذهبي لاستجلاء خفايا الأسرار التي يحملها الجاسوس المعتقل، حيث يكون واقعاً تحتظروف نفسية وجسدية مرهقة. ومنحه فرصة – ولو قصيرة – للراحة، معناه خسارة فادحة لاتعوض، لأنه بذلك سيرتب أفكاره ويتحصن بالأكاذيب التي درب عليها واسترجعها لحظة عملالعقل المعطل.
وكان لوصول أبو الهول وقع الصدمة عند أمينة، فهو رجلبدا بلا قلب أمامها عندما أعدم الفتاة الفرنسية، وأمر برميها خلف الجبل وتحطيمرأسها بالصخور.
صرخت الواهنة المدلاة من سقف الكهوف عندما لمحت الرجلالمتجهم يقترب منها، ويأمر أحد الجند بأن يعري ظهرها.
تأوهت المرأة ألماً والجندي يرخي سترتها، ولما انكشفالظهر بدت خطوط السياط الحمراء المتقاطعة في كثافة، فصرخ في جنوده بصوت جهوريأجش:
أكنتم تدللونها يا أولاد الـ . . . ؟ أما زلتم في مرحلة الحضانة؟ .
وانهال ضرباً على الجنود الذين تناوبوا تعذيبها وهويسبهم ويقول:
كانت الفرنسية تمطر دماً . . أين دم هذه الـ . . . يا أوغاد؟.
ثم اتجه بوجهه ناحية الضابط الذي حقق معها وسأله:
هل اعترفت بكل شيء؟
أجابه الضابط على الفور وهو يقف منتصباً فيانتباه:
لمتعترف بعد سيادة العقيد إنها كاذبة.
هنا . . أدركت أمينة أن النهاية قد قربت . . فاستجمعتما بقي لديها من قوة وقالت للقائد في هلع ووهن: اعترفتُ . . اعترفتُ . . حتى بأسماءشركائي . . اسألوني وسأجيب بصراحة. لا أريد أن أموت . . أن أموت. فصمت أبو الهولللحظات مرت بطيئة . . مرعبة، ثم نطق آمراً في حسم:
أنزلوها.

sayednow
05-12-2007, 11:02PM
شكراً جزيلاً لموضوعك يا محمودالبدوي...