محمودالبدوي
05-12-2007, 10:49PM
الحلقه السادسه : الأشباح في الزنزانة تقول أمينة في مذكراتها (وفي السادس من سبتمبر عام 1975 (!!!)، كنت أحاول أن ألملم ذاتي المبعثرة داخل زنزانة ضيقة حقيرة، مقيدةبالجنازير الى الحائط، عندما انفتح الباب في الصباح، ودخل الحارس المسلح ذو الشاربالكثيف يحمل فطوري المكون من رغيف وشريحة جبن مطبوخ، وجلس أمامي كالمعتاد يتصفحجريدته، ويناولني قضمة بعد قضمة، عندما لمحت الخبر بالصفحة الأولى: يا الهي . . إنه موشيه . . نعم موشيه . . صورته تتصدرالصفحة ومن تحتها اسمه كاملاً. خيل ألي انني أحلم . . أطير الى الأفق وأكبو – حلقومي يتشقق ورأسي تتأرجح غصباً عني. وكأنني أفيق من غيبوبة الموت، رجوت الحارس أنيقرأ على ما كتب فنهرني ساخراً . . لحظتئذ . . صرخت متوسلة اليه أن يقرأ. فأغلق فميبالرغيف ولطمني بقسوة على وجهي وهو يردد: مالك والصحيفة أيتها المومس الحقيرة. . ؟لفظت الرغيف وابتهلت اليه فبسط الصفحة أمامي على الأرض. . فانحنيت أقرأ لا أصدق،حتى انكفأت على وجهه كالمنومة، أعض البلاط . . وألعق الحسرة . . والفرحة، وألعنعمراً ذاب في الإرهاق والغضب. لست أدري بالضبط كنه تلك الأحاسيس الجياشة التياجتاحتني، خليط عجيب من المشاعر تكاد تعصف بي، وتفتك برأسي. كم كنت في شوق لأن أصرخ . . وأصرخ . . وأصرخ . . وأمزق وجهي بأظافري حتى يدمى، لكن يداي مشدودتان بالسلاسل،ولا قبل لي إلا بالصراخ، فصرخت . . صرخت من أعماق شراييني وأنسجتي، وجذبت قوةصرخاتي من قلبي وأعصابي، إذ جثم على صدري حمل ثقيل من الندم . . ينزف منهم الدم فيفورة كالبركان، وينزلق على أرض الغرفة فأحس به ساخناً لزجاً، يا إلهي . . إنهاأشباح عشرات الضحايا الذين قتلتهم بغبائي . . وقذارتي. تطوف الأشباح من حولي فيحلان مرعب، ينبعث منها صوت هدير مخيف، فأضحك . . ثم أصرخ. . وأضرب رأسي في الهواءلأصرف الأشباح عني، وأفيق على موشيه الحبيب . . جاء لينقذني من عذاباتي . . وانحناءات عمري القاتلة). مدرسة أبو داود وفي الثامن من ستبمبر 1975، بعد تسعة أيام مناعتقالها، اقتيدت امينة داود المفتي الى مكتب أبو داود (1) حيث جرى استجوابها بذاتالأسلوب الذي استخدمه جهاز المخابرات الألماني – الجستابو – مع الأسرى والجواسيسأيام الحرب العالمية الثانية. وهو أسلوب يعتمد على التوسل بعلم النفس في كسر حدةالخوف لدى الجاسوس، دون اللجوء الى أي وسيلة من وسائل الضغط أو التعذيب، مع محاصرتهبوابل من المعلومات التي تم جمعها عنه وعن رؤسائه، فيضطر مذعناً الى الاعتراف بكلما لديه حيث يرى أنه لا ضرورة للإنكار، طالما انكشفت كل الأسرار التي كان يعتقدأنها مجهولة. ولكي نشرح أسلوب أبو داوود في استجواب العميلة، علينا أن نقرأ الشهادةالرسمية التي أداها الملازم "سكراف" من المخابرات الألمانية، أمام هيئات التحقيقالأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا. فقد شكلت في أمريكاهيئة للتحقيق مع بضع مئات من الطيارين الأمريكيين الذين أسروا في ألمانيا النازية،وكانوا متهمين بالخيانة وإفشاء الأسرار الحربية عقب أسرهم، ولكنهم نفوا جميعاً أنهمتفوهوا بأي سر، كما أكدوا أن أحداً لم يضربهم أو يمتهنهم، وبالتالي لم يحاول أيإنسان أن يرغمهم على الإدلاء بأي أقوال، وقد استدعى الأمر إحضار سكراف للمثول أمامإحدى هيئات التحقيق الأميركية، لاستجوابه في شأن التقارير التي كان يرفعها بعداستجوابه لكل طيار أسير. وقد كان لشهادته هذه أكبر الأثر في تبرئة ساحة هؤلاءالطيارين. يقول سكراف: خلال سني الحرب الطويلة المريرة، قمت منتصباً في وضعالانتباه ضارباً كعبي أكثر من خمسمائة مرة، مؤدياً التحية العسكرية في أصح أوضاعهالضابط طيار أميركي، شاء حظه أن يقع أسيراً في أيدي قواتنا. وكنت أقدم نفسي للأسيرقائلاً في أدب وبشاشة: سيدي . . أنا الملازم سكراف . . وأنا مكلف بسؤالكم بضعأسئلة، هل لسيدي أن يجلس؟ . . من واجبي أن أذكرك بحقوقك التي تكفلتها لك اتفاقيةجنيف لمعاملة أسرى الحرب، فلك أن تجيب على الأسئلة الثلاثة : اسمك . . ورقمك . . ورتبتك فقط ولا شيء خلاف ذلك . . سيجارة سيدي. . ؟ ويضيف الضابط الألماني: مر علىمكتبي جميع طياري المقاتلات الأميركية والبريطانية الأسرى، وكالمعتاد فقد أجابواعلى الأسئلة الثلاثة عند بدء أسرهم، ثم أرسلوا الى بعد ذلك للحصول منهم علىالمعلومات اللازمة، وأستيطع أن أقرر أن كل فرد من الخمسمائة ضابط الذين مروابغرفتي، قد أدلى بكل المعلومات التي طلب مني أن أحصل عليها منهم، دون إهانة أوتعذيب، ذلك أنهم لقنوا عن الطريقة التي يتصرفون بها إذا ما وقعوا في الأسر، واحتمالالتعذيب الشديد حتى يرغموا على الكلام. لكن . .غاب عنهم الحالة النفسية التي يكون عليهاالأسير بعد اكتسابه لهذه الصفة، لمجرد شعور المرء بأنه أسير تتولد عنده ضغوط شديدةتشعره بعدم راحة الضمير كأنه المذنب، حتى ولو كان أسره خارجاً كلية عن إرادته، فيظلموطناً نفسه على مقاومة كل وسيلة لاستجوابه، وكان علينا أن نستغل هذه الحالة فيعملنا، بأن نتصرف في معاملة الأسير على العكس تماماً مما يتوقع. الحية الناعمة كان أبو داود ضابطاً من ضباط المخابرات الفلسطينيةالقلائل الذين تميزوا بأسلوب المهادنة في استجواب الجواسيس، وكان يرى أن تلكالطريقة هي الأنسب لمعاملة هؤلاء الخونة لإشعارهم بمدى فداحة الجرم الذي ارتكبوه. ومن خلال المعاملة الحسنة، بدلاً من التعذيب الذي يتوقعونه، يمتلكهم الإحساس بالذنبفيعترفوا. لكن يبدو أن فلسفة الألمان أيام الحرب العالمية الثانية، لم تكن ذات نفعمع جاسوسة محترفة مثل أمينة المفتي، التي دربت على كيفية مواجهة المواقف الصعبة،وترتيب الأفكار بحيث لا تخطئ إذا ما اضطرت الى سرد رواية ما مرتين. وكانت تمارين الذاكرة التي أجادتها تماماً خير وسيلةلها للتمسك بأقوالها دون تغيير، وبرغم نفاذ صبر أبو داود الذي واجهها بمذكراتهاالتي كتبتها بخطها وخبأتها في شقتها في فيينا، إلا أن الجاسوسة أنكرت كل شيء. وعللتكتابة مذكراتها بما تحويه من تفاصيل غاية في الدقة، بأنها مريضة بالتوهم Delusion وبأحلام اليقظة، وقد تخيلت نفسها بالفعل عميلة إسرائيلية في بيروت نظراً لخيالهاالخصب الجامح، ولتأثرها الشديد بقصة حياة الجاسوسة الهولندية الشهيرة مارجريتجيرترود "ماتا هاري"، وابنتها الجاسوسة باندا ماكلويد. هذا فضلاً عن رغبتها فيالانتقام من العرب لفقد زوجها موشيه، وعجزها عن تحقيق ذلك، مع شعورها المتزايدبالغربة والكآبة، وإحساسها بالاضطهاد Persecution . كانت إجابتها المرتبة، وبكاؤهاالمستمر وتشجنات عضلات وجهها، أمر يدعو الى الاحساس بالأسف، فهي تخرج من مأزق تلوالآخر وكأنما أيام الاعتقال الانفرادي التسعة، كانت بالنسبة لها الفرصة الذهبيةلترتيب الأفكار استعداداً للمواجهة المصيرية . لذلك . . كانت شكلاً – في غايةالثبات أمام المحقق. . أما بالداخل . . فهناك عمليات عقلية معقدة تتفاعل . . وتحلل . . وتستنبط . . وتختزن . . وتتوهج. فتطلب المزيد من الماء بالسكر لتمنحبدنها المزيد من القوة Energy واليقظة. لكن ضابطاً كفئاً مثل أبو داود لم يكن منالسهل أن يقنع بصدق إجابتها، فهو رجل حاد الذكاء عظيم الخبرة في تخصصه، حصل علىدورات تدريبية عديدة على أيدي رجال المخابرات المصرية في تعقب الجواسيس، وقرأكثيراً في علوم النفس والمنطق والطب العقلي، وتصنيفات الأمراض النفسية، وبرع فيكيفية التعامل مع مرضى الخيانة والكذب، واستخلاص النتائج بعد تحليل دقيق للألفاظوالمدلولات، حتى اشتهر عنه امتلاكه لحاسة شم قوية تجاه الجواسيس، وقدرته الخارقةعلى اختراقهم والحصول على اعترافاتهم بسهولة، وإن اضطر في بعض الأحيان الى تغييرمنهجه في الاستجواب، بما يتناسب وثقافة المتهم وذكائه وقدرته على المقاومة. فهويستطيع أن يلعب بكل الكرات في تناسق وتتابع كأنه فريق كامل في ملعب شاسع. هكذا تدرب أبو داود وأجاد . . وكان عليه أن يحاصرأمينة بأسرع ما يمكن،لكي لا يحس أعضاء شبكتها باختفائها الغامض فيفرون الى خارجالبلاد. لكنه وقف حائراً أمام تلك المرأة الماكرة، التي استجمعت كل قواها دفعةواحدة وقاومته بشراسة لم يعهدها. . كانت تدافع عن مصيرها باستماتة من يوشك علىالغرق. فهي تعلم في قرارة نفسها أن مستجوبها أشد منها ذكاءً وحدة . . وأشرس منهاصلابة وقوة. ندان متضادان كل منهما يسعى الى هدف مغاير للآخر. ثمانية عشرة ساعةمتصلة وأمينة لا زالت كما هي . . لم تضعف أو تنهار. . أو حتى تبدل كلمة واحدة منأقوالها. . وأبو داود يسألها السؤال نفسه عشرات المرات في دهاء وحنكة، وهي تجيب فيمراوغة واستبسال. فكانت إجاباتها كلها متناسقة ماعدا نقطة واحدة لم تكن أبداًمقنعة، ألا وهي سم السيانيد، حيث بررت وجوده معها بأنها مصابة بالجنون الدوري Cyclothynia ، وهذا الأمر يسبب لها مضايقات وتشنجات تدفعها للتفكير بالانتحار. ولما كان سم السيانيد غير متواجد بالأسواق أصلاً،وتستخدمه فقط أجهزة المخابرات للتخلص من ضحاياها، فقد كان الأمر مثيراً للشك ولايقبل تأويلاً هشاً كالذي جاء على لسان أمينة. ومن هنا . . لم تكن أمام أبو داود سوىأساليب الاستجواب المعتادة، بعدما فشل في انتهاج نظرية الجستابو معها، وهي اللجوءالى العنف والتعذيب، وقد كان كارهاً لذلك جداً إلا أنه اضطر الى ذلك غصباً عنه، فهوكما قال يتعامل مع حية ناعمة الملمس. . كلما حاول الإمساك بها انزلقت من بين أصابعههاربة. وأناب عنه زميله "أبو الهول" للتحقيق معها. قنبلة من الغضب كان رجال الموساد في غاية القلق والتوتر، فأمينة اختفتفي بيروت قبل أن تتمكن من الهرب الى دمشق. لقد كانت غارقة في الذعر والهلع، وهوالأمر الذي يجعل الجاسوس في قمة حالات ضعفه وتفككه، فتسهل بذلك السيطرة عليه أثناءالتحقيق، ومهما حاول التماسك واستجماع جرأته، فهو حتماً سينهار في النهاية ويعترفبكل شيء، ويرشد بسهولة عن أعضاء شبكته. وعندما أكد عملاؤهم في بيروت أن مانويلومارون وخديجة طلقاء ولم يتم اعتقالهم، كان الأمر بالنسبة اليهم يعني إما أنها لمتعترف بعد، أو ان الثلاثة تركوا كشرك لاصطياد كل من يحاول الاتصال بهم. وربما كانالأمر برمته مجرد خطة خداعية متعددة الأطراف. هكذا وقع رجال الموساد في تل أبيب في حيرة بالغة،وأمروا عيونهم في بيروت بالابتعاد تماماً عن الثلاثة الطلقاء مهما كان السبب. فهميعلمون مدى شراسة المخابرات الفلسطينية في معاملة الجواسيس الأجانب حين استجوابهم،فما بالك والحالة هنا لجاسوسة أردنية خدعتهم وامتزجت بقادتهم، وتجولت بكل الأماكنالعسكرية المحظورة في لبنان؟؟ كانت المشكلة عند الموساد أكبر بكثير من مجرد سقوطإحدى عميلاتها، المشكلة الحقيقة تكمن في حالة الهلع التي ستصيب بقية عملائهم فيلبنان إذا ما نشر الخبر في الصحف، ساعتئذ فقط قد ينكشف آخرون أفلت منهم زمام الجرأةوانكسرت صلابتهم. . وباتوا عرضة لهدم شبكات إسرائيلية عديدة في بيروت تعمل في امانبعيداً عن الخوف . . الذي هو داء الشجاعة وقاتها. إذ عادة ما تكون الشجاعة التييتحلى بها الجواسيس شجاعة هشة مصطنعة لا أرض صلبة لها أو جدران. تماماً هي كالسرابالذي تراه أيام القيظ في الصحراء . . مجرد وهم خادع. (!!). أما أمينة المفتي . . فيالها من امرأة عجيبة . . متماسكة. فبرغم ابتلاعها طعم بقاء موشيه حياً ومبادلته بأسرى سوريين، إلا أنإحساسها بالذنب لم يطغ عليها أو يفتك بضميرها. لقد تقمصت شخصية أخرى أمام المحقق،وبدت بريئة مريضة بالوهم، وما كانت في حقيقتها إلا متخمة بالخيلاء Conceit والعظمة،فسيطرت عليها أوهام الانتصار، وترقبت مظاهر البطولة التي تنتظرها في إسرائيل،وستراها جلية في عيني زوجها العائد من الأسر. كانت تريد أن تؤكد له أنها امرأة أحبت . . وزوجة أدمنت العشق حتى الثمالة . . ومزقها غيابه الى ألف قطعة، تحولت كل واحدةمنها الى قنبلة من الغضب . . ستنفجر حتماً في جسد العرب. أما قلبها . . فكان بركانينفث حممه في وجه البشر . . وصراخ لوعتها عليه يصم أسماع الكون ويمزق سكونه. وفي حبسها الانفرادي كانت تستعد للمعركة القادمة . . وتشحن ذاتها بكل ما تبقى لديها من قوة ومناورة، وتعيد تنظيم خطوط دفاعها أملاً فيالإفلات. فقد كانت تعلم بأن أدلة إثبات خيانتها هشة ومن السهل تفنيدها. كذلك لميضبط بعد أحد أعضاء شبكتها فيعترف عليها. لذلك وطنت نفسها على المقاومة والاستبسالفي الإنكار والدفاع. فحتماً . . سيضيقون بها ولن يكون أمامهم سوى طردها خارج بيروت. لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد مطلقاً، أن سلطات الأمن اللبنانية تدخلت، وأجبرتالفلسطينيين على الإفراج عن المعتقلة لتقوم هي بالتحقيق معها. لقاء في عالية هكذا خرجت أمينة المفتي – وكما توقعت - منتصرة منحبسها، وتتسلمها السلطات اللبنانية التي رأت أنها بريئة، وأن الشكوك التي طالتهاباطلة مجحفة. وأنها طبيبة عربية مخلصة لوطنها العربي أيما إخلاص. وكان أن خيرتها مابين البقاء في بيروت أو مغادرة لبنان مع وافر الشكر ، فاختارت أمينة أن تغادر الىفيينا، وطالبت بوثيقة سفرها التي احتجزها الفلسطينيون. لقد رأى أبو إياد وعلي حسن سلامة وأبو داود، أن يسلمواأمينة للبنانيين احتراماً لسيادة الدولة اللبنانية، لكي لا تزداد الخلافات حدة،وتتصاعد في وقت كانت فيه الحرب الأهلية مشتعلة وفي طريقها لأن تدمر العلاقاتالطائفية تماماً. لكن . . كانت لقاءات عديدة ومطولة قد تمت في عالية بين أبو إيادوالشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني، لمحاولة الاتفاق على التعاون الأمنيبينهما للحد من جيوش الجواسيس التي تجوب لبنان دون خوف. وفي اللقاء الأخير كانالوزير يجلس على الأرجوحة في حديقة منزله الصيفي وبيديه مسبحة طويلة يلعب بحباتهافي هدوء، وهو يستمع بانتباه كبير الى ما يقوله أبو إياد: إذا لم نتعاون يا شيخ بهيج فهناك خطر يهددنا ويهددكممعنا. إن التنسيق بين أجهزة الأمن اللبنانية وأجهزة أمن المقاومة أصبح أكثر منضرورة . . لقد أصبح واجباً وطنياً. ويوافق الوزير على كلام القائد الفلسطيني . . ويتابعالقائد: نحنعلى استعداد يا شيخ بهيج أن نضع معلوماتنا بتصرفكم. إن أجهزة رصدنا في الخارج وخاصةفي أوروبا قوية، ونستطيع إذا تعاونا معاً أن نفسد أكثر من مخطط. فنحن لا نستطيع أننعمل بمفردنا في لبنان، وأنتم لا تستطيعون العمل بمفردكم. علينا أن نتعاون. ويوافق الشيخ بهيج مرة أخرى ويتابع أبو إياد: أعذرني على صراحتي سيادة الوزير،فالقضية خطيرة . . خطيرة جداً وأخطر مما تتصور. فنحن عندما قبضنا بعد عملية فردان 1973، على الفرنسي إيف رينيه دي توريس صاحب مطعم – إيف لي ميشو - كانت معلوماتناتؤكد بأنه ضالع في العملية، وأنه يعمل لحساب إسرائيل في لبنان. وبالصدفة . . كانببيروت مخرج جزائري من المتعاطفين مع حركة المقاومة اسمه محمد بوضياء. ولأن بوضياءيتقن الفرنسية فقد طلبنا منه أن يساعدنا في التحقيق مع الفرنسي. وبعد أن كادالفرنسي أن يعترف قامت علينا القيامة، واشتد الضغط واتهمنا بأننا نمارس سلطاتالدولة اللبنانية. فاضطررنا الى إطلاق سراحه، وسلمناه الى السلطات اللبنانية معملفه الكامل لكي تتابع التحقيق معه، لكننا فوجئنا بإطلاق سراحه بعد 24 ساعة منتسليمه، وبالسماح له بمغادرة لبنان الى فرنسا. وبعد شهر واحد . . تسلمنا رسالة منبوضياء يقول فيها بالحرف الواحد (ليس من قبيل الصدفة أن أصطدم بالفرنسي دي توريسالذي حققت معه في بيروت، في كل مكان أذهب اليه في باريس . . ). وبعد يومين منتسلمنا الرسالة، أغتيل بوضياء في باريس بعبوة ناسفة في سيارته. وقبل أيام . . ألقينا القبض على طبيبة أردنية تؤكد معلوماتنا أنها تتعامل مع الموساد، ومن جديد . . قامت القيامة فسلمناها مع ملفها الى السلطات اللبنانية، ومن جديد . . سمح لهابمغادرة بيروت الى فيينا. لكننا . . سيادة الوزير الموقر. . . . نطلب منكم مهلةللتحقيق معها مرة أخرى. . مهلة بسيطة لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام سنطلعكم بعدهاعلى ما انتهينا اليه. لقد كان هناك رجل يحمل الأوراق المغربية، اعترف لنااعترافات كاملة بأنه عميل لإسرائيل وجاء للبنان أكثر من مرة للتجسس على أخبارالمقاومة. ولدينا ملفات عن أكثر من عشرين عميلاً يحضرون الى لبنان وينزلون في أفخمالفنادق على أنهم رجال أعمال، نحن نعرفهم واحداً واحداً، واسماً اسماً، ونعرف أنهمعملاء، ولا نطلب منكم أن تعتقلوهم أو تحققوا معهم، ولكن نطلب فقط منعهم من دخولالبلاد. إنه إجراء بسيط سيدي الوزير، فنحن أيضاً لا نريد اعتقالهم حرصاً علىالسيادة اللبنانية، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي وحياتنامهددة بالخطر. كان الشيخ بهيج تقي الدين يستمع الى أبو إياد في ذهول. وما أن أنهى القائد الفلسطيني كلامه حتى وافق الوزير فوراً على مطلبه لخاص باعتقالأمينة المفتي مرة ثانية، والبحث في أمر العملاء الآخرين تمهيداً لمنعهم من دخوللبنان. وهكذا . . عادت أمينة داود المفتي الى الجانبالفلسطيني، دون تدخل لبناني تحت أية ظروف في التحقيق. كهف السعرانة حبست أمينة مقيدة بالجنازير داخل زنزانتها الأولىبباطن الأرض، تمهيداً لاستجوابها بأسولب مغاير، يدفعها لأن تعترف بالحقيقة كاملة،وترشد عن شركائها في شبكة الجاسوية. لكن . . كانت هناك رؤية أمنية تحبذ نقلها الىخارج بيروت، بعيداً عن رحى الحرب الأهلية المشتعلة، وتحسباً لأية نوايا إسرائيليةخاصة بعد عملية فردان المشؤومة، واستغرق التفكير في مكان حجزها ساعات طويلة منالليل، ضمت أبو إياد، وعلي حسن سلامة، وأبو داود، وأبو الزعيم - في اجتماع خطيرلتحديد مصير العميلة الاسرائيلية. لقد جلس أبو إياد صامتاً كعادته يشعل سيجارة منأخرى، تنتقل عيناه بين الرجال الثلاثة وهم يتجادلون، ويستعرضون الأماكن التي تصلحلإخفاء العميلة الماكرة. كان علي حسن سلامة يرى أن إبقاءها في المكان نفسه هوالأصوب، حيث تحيط بالمبنى الأسوار العالية، ومباني منظمة التحرير الفلسطينية في حيالفكهاني، لكن أبو الزعيم تشكك في كون المكان آمناً بالدرجة الكافية، فقد تخططالموساد لاختطاف أمينة لرفع معنويات جواسيسها في لبنان، وللانتقام من علي حسن سلامة - الأمير الأحمر الذي أمرت جولدا مائير بإعدامه ثأراً لعملية ميونيخ، وأيضاً . . لاغتيال الفدائيين الثلاثة - عدنان وجمال الجاشي، وأبو العيسى - أبطال مذبحة ميونيخالذين بقوا على قيد الحياة، ويقيمون تحت حراسة مشددة بمقر الجبهة الديموقراطيةالمحاور. أما أبو داود فقد اقترح أن يتم نقلها فوراً الى وادي البقاع حيث لن تستطيعالموساد التوصل الى مكانها، ويكون الأمر محاطاً بالسرية المطلقة تحسباً للوشايات،وبعيداً عن الخونة الذين يضعفون أمام الاغراءات الاسرائيلية من بين صفوفالفلسطينيين أنفسهم. وعند هذا الحد من الحديث نطق أخيراً أبو زياد وقال إن الأمر لايستدعي كل هذا الخلاف، فعملية نقل أمينة من حسبها الآمن في بيروت الى مكان آخر ليسالغرض منه الخوف من الاسرائيليين، فهم لن يجرأوا على القيام بعملية كوماندوز أخرىمشابهة لفردان، لعلمهم بأننا اتخذنا شتى التدابير الأمنية لحماية منشآتنا ومقارإقاماتنا، وعيونهم التي تجوب شوارع بيروت بمختلف الجنسيات تنقل اليهم تلك الحقيقةوتؤكدها. إنما التفكير في عملية نقل أمينة لجهة أخرى يرجع الى كونها امرأة استشعرتالأمان في محبسها الحالي، ووضعت خطط دفاعها أمام مستجوبيها، ونقلها لمكان آخر أمرفي حد ذاته محير بالنسبة لها: وسيشعرها بالخوف لأنها تجهل ما سيحدث معها وطالما هيخافت فقد فقدت تركيزها. وأرى أنه للوصول الى اعترافات سريعة منها، يجب نقلها الىمكان موحش وليكن كهف من كهوف الجنوب، فالتمسك بالحياة حتماً يدفع المرء لأن يضحيبكل ثمين. واعترافها بالتجسس لصالح الاسرائيليين لن يكون أبداً أثمن عندها منحياتها. ففكروا معاً في أي كهف ستأخذونها اليه. عندئذ . . تهللت الوجوه استحساناً لرأي القائد، وجيءبخارطة كبيرة للجنوب اللبناني انكبوا عليها يفحصون عدة مواقع، الى أن انتهوا الىموقع كهف يقع الى الشرق من جسر القاسمية بين صيدا وصور، يبعد عن ساحل البحر المتوسطحوالي تسعة عشر كيلو متراً. أطلق عليه سكان المنطقة اسم "كهف السعرانة"، وتقعبالقرب منه بعض معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية. مقابل شربة ماء . . !! لمسافة ثمانين كيلو متراً أو يزيد، انطلقت في الليلالسيارة الجيب التي تقل أمينة المفتي الى محبسها الجديد. كانت الأسيرة المغماةمتهالكة تماماً لحرمانها من الطعام طوال يوم كامل، وما إن غادرت السيارة يتأبطهاجنديان مفتولا العضلات، أحست بقشعريرة مخيفة تسري بأوصالها. فالمكان شبه خاو بلاحركات، صوت الأقدام الصاعدة وهي ترتطم بالصخور والحصى يزيدها هلعاً. قالت في وهنأنها جائعة فقيل لها أن لا طعام لديهم. كان الصعود شاقاً والأعصاب مرهقة تنبضبالتوتر، ونادراً ما تنامت الى مسامعها أصوات غريبة. لكن هيئ لها أن هناك أياد أخرى عديدة ساعدت في صعودهاالى المرتفع. حتى إذا ما وصلت الى نقطة ما. . أزالوا الكيس الأسود عن وجهها، لتصطدمبعدد جرار من الضباط والجنود واقفين في جمود وامتعاض تتدلى الرشاشات من أكتفاهم. وعندما اقتادوها الى الداخل أدركت رغم الإضاءة الباهتة أنها بداخل إحدى المغارات. لكنها فشلت في تخمين موقعها . . أفي الشمال هي أم بالوسط أو بالجنوب؟ كانت تحسبدوار عنيف كمن فقد اتجاهه واتزانه، واستسلمت للأيدي التي تدفعها بقسوة الى عمقالكهف الممتد بباطن الجبل تتدلى صخوره كالأشباح المعلقة، وتبدو نتوءاته في ظلالالضوء المتحرك كجنيات الأساطير المرعبة. . وفجأة . . شق الصمت القاتل المحيد بوقعالأقدام صراخاً مريراً. . كأن هناك من يقد اللحم من جسد حي. وكلما اقترب مصدرالصراخ ابتعدت إرادة الأسيرة وذهب عقلها. فتصبب منها العرق المالح . . وارتعد الجسدالناعم المنهك السخي بالأنوثة . . ففقدت الى الأبد بصيص أمل في النجاة، وبينمايتشقق حلقومها الجاف المر الرضاب، انطلق بولها غصباً عنها ساخناً يزيد الجسد جفافاًوانطفاء، ويولد لديها أقصى مشاعر الرعب والهلع، عندما وقفت أمام مشهد مروع أطلقتالمرأة صرخة سحبتها من جذور أظافر أصابعها حتى شعر رأسها. مشهد هو بحق أفظع من وصفمذبحة بشرية حية. فقد رأت أمينة المفتي فتاة علقت من ساقيها الى الحائط، تمتد خيوطالدم من كل موضع في جسدها لتتجمع في النهاية في بقعة متجلطة أسفل رأسها، وشعرهاالطويل المدلى يصل حتى لقرب البقعة تفور منه صنابير الدماء المتفجرة. . وأفاقتأمينة على صوت القائد كأنه الصاعقة: أيتها العاهرة . . ارتدي البنطلون والسترة. "هكذا ترتدي النساء المعتقلات، لكي لاتظهر عوراتهن أثناء التعذيب" وأشار الى أحد الجنود: حل قيودها حتى تبدلملابسها. سخرت أمينة في حسرة من نفسها . . فقد كان جسدها العاريلوقت قريب يذيب العقول. الآن تقف عارية وعشرات الأعين ترقبها، لكنها تنظر اليهاباختلاف عما اعتادته هي من نظرات الجوعى. يالكم من رجال أغبياء لا تدركون لسعأنوثتي . . وجحيمها. لو أنكم مائة رجل لأسلمت لكم نفسي . . طواعية . . طواعية . . مقابل شربة ماء. . وشريحة خبز صخري أسود". هكذا قالت في داخلها . . وهي تقف مسلوبةالإرادة بالملابس العسكرية التي ارتدتها، ترمقهم في انكسار وهم يدقون الحلقاتالحديدية بالجدار ليعلقوها كزميلتها. لكن القائد الصارم الوجه قال بحسم: كبلوا يديها ورجليها على خلاف حتى يجيء أبو الهول " ضابط مخابرات فلسطيني محترفترأس بعد ذلك مخابرات فتح". سخرت أمينة في حسرة من نفسها . . فقد كان جسدها العاريلوقت قريب يذيب العقول. الآن تقف عارية وعشرات الأعين ترقبها، لكنها تنظر اليهاباختلاف عما اعتادته هي من نظرات الجوعى. يالكم من رجال أغبياء لا تدركون لسعأنوثتي . . وجحيمها. لو أنكم مائة رجل لأسلمت لكم نفسي . . طواعية . . طواعية . . مقابل شربة ماء. . وشريحة خبز صخري أسود". هكذا قالت في داخلها . . وهي تقف مسلوبةالإرادة بالملابس العسكرية التي ارتدتها، ترمقهم في انكسار وهم يدقون الحلقاتالحديدية بالجدار ليعلقوها كزميلتها. لكن القائد الصارم الوجه قال بحسم: كبلوا يديها ورجليها على خلاف حتى يجيء أبو الهول " ضابط مخابرات فلسطيني محترفترأس بعد ذلك مخابرات فتح". هكذا ربطت أمينة بالجنازير الى الحائط، وحمل الجندي فيتأفف ملابسها الداخلية المبتلة، في ذات الوقت الذي وصل فيه الطبيب لتضميد جروحزميلتها. وما هي إلا دقائق حتى انصرف الجميع، وخيم الصمت والظلال على المكان الموحشفازداد وحشة. وكان أنين الفتاة الأخرى هو مرآة الرعب بعينيها، وصدى الخوف في كهفالسعرانة الذي تحال من حوله قصص خرافية، عن امرأة عقرها كلب مسعور فطفقت تجوبالوديان والجبال مسعورة، يطاردها الناس بالعصى والحجارة حتى التجأت الى الكهف الذيسُمي باسمها ووجدت به ميتة.