محمودالبدوي
05-12-2007, 10:48PM
الحلقه الخامسه:
الغضب الهادر
أسفرت عملية تجنيد مارون الحايك عن فائدة عظيمةلإسرائيل . . إذ أن التجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية،كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة. ولمتكن الأحاديث التليفونية المتداولة من خلال التليفونات السرية أحاديثاً مكشوفةتماماً، يستطيع المتنتصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوبالتمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها. وثقة في اللبنانيين، كانزعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية فيما بينهم صراحة، أو معمساعديهم ظناً منهم - وهذا خطأ كبير - أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل. فالدوائر التليفونية المغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى فيبيروت نفسها يتم بواسطة خطوط شبكة المدينة. وكذا الاتصال بخارج المدينة، وكانتالسرية خاضعة للخدش عن طريق زرع أجهزة التنصت . . أو استراق السمع بأسلوب مارونالحايك، من خلال الغرفة السرية التي أقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسسعلى المسلمين . . وعلى الفلسطينيين أيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم،فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسط بيروت وجنوبها. فبالحي الذي يقع بالقرب من مخيميصبرا وشاتيلا، أعدت منظمة التحرير مكاتبها بطريقة عشوائية حول مبنى جامعة الدولالعربية. وأقام قادتها في مبان مجهولة تحت حراسات مشددة. فالمنظمة التي أسسها عرفات - خريج هندسة القاهرة 1956 - أكثر من مجرد مقاومة شعبية . . بل جيش مسلح مدرب،يتربص بإسرائيل لضربها في الأعماق.
كانت أمينة المفتي تدرك ذلك جيداً . . وترى بنفسهاالرقابة القوية الصارمة التي تفرضها كبرى المنظمات الفلسطينية - فتح - على منشآتهافي حي الفكهاني. . والحراسة المكثفة التي حول مقر عرفات كلما ذهبت لمقابلته. وعندمااتصل بها مارون الحايك قبل الفجر بقليل، فتحت على الفور جهاز اللاسلكي صباح يوم 23مايو 1974، وبثت الى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن - سيهاجم ثمانية من الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت . . تسليحهم رشاشات كلاشنوقنابل 57 ملم/ م.د. نفيه شالوم) وبالفعل . . صدقت المعلومة تماماً . . وأطبقالاسرائيليون على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. وعندما كانتأمينة المفتي تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السريالخاص بمكتب جورج حبش (1). لاحظت بعد عدة مكالمات له، أن هناك ترتيبات عسكرية يتمإعدادها بشكل سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا. حيث بدا جورج حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13يونيو. وفي غمرة انفعاله نطق اسم كيبوتز شامير (2) سهواً. لم تهمل عميلة الموسادالأمر. وأبلغت رؤسائها على الفور بما سمعته. وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة منالفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبلما يستعملوا رشاشاتهمالآلية. وفي 27 يونيو 1974 - لقى ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا أربعة منالجنود الإسرائيليين في نهاريا.
لقد كانت الطائرات الاسرائيلية ترد بوحشية إثر كلعملية فدائية. فتدك المواقع الفلسطينية في الجنوب، من معسكرات ومخيمات ومحطات تموينومراقبة. وتضرب كل ما هو فلسطيني على أرض لبنان. وكانت المعلومات التي أمدت بهاأمينة الموساد، تلك التي تكشفتها من خلال غرفة السنترال السرية، هي بلا شك معلوماتحيوية للغاية، لا تحتمل التأويل أو الشك. . تجيء عبر أحاديث صاعنعي القرار أنفسهم . . من أعلى مستويات القيادة الفلسطينية. إنها سلسلة طويلة من التبليغات التي أودتبحياة العشرات من الشباب الفدائي المكافح أشعرت أمينة بأهمية دورها . . وقوةمركزها، دون إحساس ولو ضئيل بالندم . . بل ازدياد مستمر في حدة الغضب . . لضراوةالثأر لفقد زوجها الحبيب موشيه.
الأصدقاء الجدد
كانت الحكومة الاسرائيلية مصممة على تدمير البنيةالعسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعة مصالحها في لبنان تشملدبلوماسية سرية. فقد حدث اتصال وثيق بين الموساد وميليشيات لبنان المسيحية - الكتائب - منذ ذلك العام - 1974 - حين كان الزعماء المسيحيون يخشون فقدان السيطرةالتي يتمتعون بها، عندما شكل منافسوهم المسلمون اللبنانيون ائتلافاً مع الفلسطينيينالكثيرين في لبنان، فزادوا بذلك قوة . . ونفوذاً. وبدأوا يطالبون بنصيب أكبر فيالفطيرة السياسية. لكن السياسيين المسيحيين رفضوا أية إصلاحات في نظام يناسبهمكثيراً (1). من هنا .. تم إقناع زعيمي الميليشيا المسيحية، كميل شمعون وبيارالجميل، بالدخول في اتصالات سرية مع الدولة اليهودية. وقد عقد شمعون - الذي كانرئيس جمهورية سابق، والجميل - وكان وزيراً - محادثات سرية مطولة مع إسحاق رابينرئيس وزراء إسرائيل، بغية الحصول على مساعدات عسكرية وتدريبية لميليشيات الكتائب،للوقوف أمام قوة المسلمين والفلسطينيين.
ومنذ منتصف ذلك العام - 1974 - دعمت الموساد الاتصالاتمع الكتائب على اعتقاد بأنها ستوفر مزايا هامة لإسرائيل، أهمها إسكات المقاومةالفلسطينية في جنوب لبنان، والتجسس على الجيش السوري. لذلك .. كانت صفوف طويلة منعملاء الموساد تعمل في لبنان باطمئنان، وبلا خوف من السلطات اللبنانية. لكن الخوفكان منبعه جهاز المخابرات الفلسطيني برئاسة علي حسن سلامة، الذي استطاع بنفسه كشفأكثر من عشرين عميلاً للموساد بين صفوف المقاومة . . أعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريببدوائر من الشكوك والريب.
وقد كان من الطبيعي أن يصبح زعماء الميليشيا المسيحيةفي لبنان أصدقاء إسرائيل، وذراعها القوية لضرب الفلسطينيين بعد ذلك . . وارتكابأبشع المذابح بحق الشعب المقهور.
انتهزت أمينة المفتي هذا التقارب اللبناني / الإسرائيلي، وسعت خلف بشير الجميل - ابن بيار - الذي كان محامياً في بلد لا قانونفيها، فجمعت عنه حصيلة هامة من المعلومات أمدت بها الموساد.
وعرف عن بشير أنه جريء . . وماكر . . وإجرامي. فرغمكونه أصغر ستة أبناء لبيار، تقدم بسرعة . . ولم يبد أي تردد في قتل حلفائهالمسيحيين - أفراد أسرتي شمعون وفرنجية - حتى أصبح مسؤولاً عن أكبر ميليشيا مسيحيةفي لبنان.
رأس الحية
وفي الأول من أكتوبر 1974 عندما كانت بغرفة المراقبةالسرية بالسنترال، صعقت وهي تستمع الى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه،وأدركت أنها النهاية المؤكدة للملك حسين. بل ولمؤتمر القمة العربي في الرباط. ولنقرأ معاً ما كتبته في مذكراتها عن أحداث ذلك اليوم. تقول أمينة:
(كنت بالغرفة السرية منهمكة في عملي، تمتد أسلاك جهازالتسجيل الى جواري، وعلى كرسيه يقبع خلفي مارون الحايك، تلفح جسدي نيران نظراتهبرغم هواء الغرفة المكيف اللطيف. كان الغرفة الواسعة ذات بابين، أحدهما مغلق دائماًولا يفتح إلا بإذن خاص وهو يؤدي الى الممر الرئيسي، أما الباب الآخر فسري ويشكلجزءاً من دولاب حائط كبير، ويتصل بسلم خلفي صاعد. كنت أنصت الى حوار هادئ بين عبدالوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمدجبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت عملية فدائية ناجحة في إسرائيل منذ فترةوجيزة. وأصابني الملل لتفاهة الحوار بينهما، فالتفت الى مارون الذي انتبه اليّوسألته عمن يعرف سر هذه الحجرة المثيرة، فأجابني بأنهم نفر قليل، وإجراءات دخولهاتخضع لتعقيدات وقيود كثيرة. وأنه لولا الأربعين ليرة التي دفعها للحارس الخاصللغرفة، ما استطاعا الدخول أبداً. كان مارون يحدثني بنبرة مليئة بالثقة بما يدل علىأنه قام بعمل بطولي لأجلي، لذلك ترك مقعده واقترب مني مبتسماً، فقبلته . . وأحسستوهو يخاصرني بأنه هدأ كثيراً من ناحيتي .. ويريد مني الكثير فنهرته بلطف، واقتحمتخطوط عرفات وحواتمة وأبو إياد فوجدتها مغلقة. وحينما فكرت في إيقاف جهاز التسجيلطرأة ببالي فكرة التجسس على تليفون سلامة.
لقد كان الوقت قبل منتصف الليل بقليل، وسلامة يتحدث معأحد رفقائه ويدعى أبو نضال (1). ضغطت على زر التسجيل وأحكمت السماعتين فوق أذنيوانتبهت للحوار بينهما. كان مارون ما يزال ملتصقاً بي من الخلف يثيرني بقبلاتهالمجنونة حول رقبتي، عندما اقشعر بدني كله وبدأ شعر رأسي كأنه يتصلب . . وينتصب،وأنا أستمع الى سلامة يقول في ثورة (التل (2) وحده لا يكفي . علينا برأس الحية صديقاليهود، ومؤتمر الرباط فرصتنا الأكيدة فلنكن حذرين . . وشجعان . الله معك يا أبونضال). هناك إذن تخطيط لاغتيال الملك حسين في الرباط . . وتبنت العملية منظمة أيلولالأسود.
وحين نزعت الأسلاك كانت رأسي تدور وتدور يد مارونالمثار حول مؤخرتي، فسألته أن يؤمن الطريق لأخرج. وفي شقتي لم أقو على الانتظارلأبدل ملابسي، فأرسلت على الفور برسالتي الخطيرة الى الموساد. وبعد ست وثلاثيندقيقة جاءتني رسالة تطلب مني إعادة البث. فأيقنت أن القلق ركب رؤوس القيادة فيإسرائيل، خوفاً على صديقهم العربي الأوحد. . الملك حسين. . ومرت ثلث الساعة إلادقيقة واحدة، وجاءتني رسالة أخرى تحمل أمراً هو غاية في العجب. . والدهشة. إذ أمرتبالبحث عن وسيلة لدخول شقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله. فحتى تلك اللحظة. . لمأكن أعلم أن لسلامة أولاد . . وزوجة أخرى تمت بصلة قرابى لمفتي فلسطين الحاج أمينالحسيني. وقلت في نفسي: أترضى ملكة جمال الكون - جورجينا رزق - بدور الزوجةالثانية؟؟ يا لسلامة المحظوظ . . الهانئ . . السعيد. . !!
شبكة الأربعة
لم تكن فكرة اغتيال الملك حسين ناشئة من فراغ. فالفلسطينيون رأوا منه أكثر مما تصوروا. . فمنذ عام 1970 وهو مرتبط بعلاقات وثيقةبالإسرائيليين خوفاً على عرشه. واجتمع بموشي ديان لمرات عديدة في محادثات سرية، فيذلك الوقت كان اللاجئون الفلسطينيون يشكلون نحن نصف سكان مملكته، ويشكلون أيضاًمصدر إزعاج متزايد له، بقيامهم بعمليات فدائية داخل الضفة الغربية انطلاقاً منالأردن، يرد عليها الإسرائيليون بالمثل، ويضغطون على الملك لوقف تلك العمليات،بتوجيه ضربة للفلسطينيين تفتت قوتهم وقواتهم.
وقد كان . . ومات عشرات الآلاف من الأبرياء فيما سميبأيلول الأسود عام 1970. وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات،والتي يترأس عملياتها علي حسن سلامة الذي نفذ أولى عملياتها باغتيال وصفي التل، ثمتوالت العمليات في عواصم أوروبا ضد الإسرائيليين. وبعد حرب أكتوبر توصل العرب فيالجزائر الى صيغة رسمية وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيدللشعب الفلسطيني. وشكل هذا الأمر خلافاً جوهرياً مع الملك حسين، الذي كان يدعيلنفسه هذا الحق. حتى جاء شهر يوليو 1974، ومعه خطوة هامة، عندما اتفق الملك حسينوالسادات على صيغة أخرى تحفظ ماء وجه الملك. وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هيالممثل الشرعي للفلسطينيين، باستثناء الفلسطينيين الذين يعيشون في المملكةالهاشمية. فأثار البيان منظمة التحرير، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص من الملكحسين.
وحالف الحظ الملك، عندما تمكنت السلطات المغربية منإلقاء القبض على وحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من أسبانيا لاغتياله، وتمالتعتيم على الأمر خاصة وقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول علىأكبر دعم عربي لشرعية منظمة التحرير. وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمةمسؤولة عن وضع الاستراتيجية التي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشروعةللفلسطينيين، أي أن المنظمة مطالبة باتخاذ مواقف محددة وواضحة: هل هي تريد تحريرفلسطين كلها أم جزء منها تقام عليه الدولة الفلسطينية. . ؟
وفي هذه الحالة . . كيف تستطيع إعداد الوسائل التيتمكنها من الوصول الى هذا الهدف؟. وهل هي تريد الوصول اليها بجهدها الخاص أوبالتنسيق بين استراتيجيتها والاستراتيجية العربية، وعلى وجه التحديد بيناستراتيجيتها واستراتيجية مصر وسوريا - اللتين تعملان تحت قيادة عسكرية موحدة - باعتبارهما أقوى دول المواجهة في المنظمة. أو هل تريد المنظمة العودة الى قرارالتقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948؟ . . أو تريد إقامة دولة فلسطينية فيالضفة الغربية وقطاع غزة؟ . . وفي هذه الحالة . . هل هي مستعدة للاعتراف بقرار مجلسالأمن رقم 242 إذا ما عدلت الفقرة التي تتحدث عن "اللاجئين الفلسطينيين" الى "الشعبالفلسطيني"؟ . . وفي هذه الحالة . . هل هي مستعدة للذهاب الى مؤتمر جنيف؟ . . وإذاما قررت الذهاب الى جنيف كيف يمكن حل مشكلة اعترافها بالوجود الإسرائيلي في فلسطين؟ . . او باعتراف إسرائيل بها؟. . أي الاعترافين يجب أن يسبق الآخر؟ . . عشراتالأسئلة طولبت أمينة المفتي بالتجسس على أعضاء اللجنة التنفيذية العشرة لتكشفنواياهم. والأعضاء هم خليط لكافة التيارات الفلسطينية، فهناك التيارات اليمينيةالمتطرفة، واليسارية والمحايدة، والمتعصبة، بعضهم شيوعيون وآخرون معارضون لهموللماركسيين، وهناك ديموقراطيون و . . و . . الخ.
كل هذه التيارات المختلفة، متفقة فيما بينها علىالاستراتيجية العامة. فالهدف - هو تحرير فلسطين، وإن كان هناك اختلاف في التكتيكطلب منها أيضاً معرفة المصادر المالية للمنظمة ومخازن السلاح في سوريا، ورأيالقيادة العليا في مسألة القدس (1) لذلك . . انشغلت أمينة بشكل لم يسبق له مثيل. . وساعدها مارون ومانويل في نوبات التنصت على تليفونات القيادات الفلسطينية، بل إنهااستطاعت تجنيد صديقتها خديجة زهران التي طُلقت من زوجها اللبناني، فتزوجت بغيرهوطلقت منه أيضاً، وسقطت في شبكة أمينة المفتي في أحلك لحظات ضعفها وحاجتها الىالنسيان . . والمغامرة. . والثراء. رباعي عجيب انطلق في مهام تجسسية صعبة، لإمدادالموساد بأخطر المعلومات عن الفلسطينيين الذين كانوا يستشعرون وجود مؤامرات لبنانيةلتصفيتهم، وقالوا للبنانيين: إنكم لن تستطيعوا تصفيتنا لأنكم لا تملكون القوةالكافية لذلك. ونحن لا نريد منكم إلا تمهيد الطريق لنا الى فلسطين. والطريق الىفلسطين يمر بعينطورة وجونية، وهما منطقتان لبنانيتان مسيحيتان، إحداهما في الجبلوالثانية على الساحل. فتساءل اللبنانيون: ماذا يفعل الفلسطينيون في الجبل وهو يبعدعن طريق فلسطين بأكثر من مائة كيلو متر؟ . . والحقيقة. . أن الطرفين كانا على حق. وتلك كانت مقدمة للحرب الأهلية اللبنانية.
الخطأ المدمر
وفي يوم 22 نوفمبر 1974، دخل ياسر عرفات لأول مرة مبنىالأمم المتحدة في نيويورك، مطالباً بإلغاء دولة إسرائيل، وإقامة دولة ديموقراطيةتتكون من العقائد الدينية الثلاثة - الاسلام والمسيحية واليهودية، والا فليس أمامهمسوى الكفاح المسلح. ويخرج وفد إسرائيل غاضباً ليصرح السفير الاسرائيلي بأن عرفاتالذي قتل الأطفال اليهود، يحاول أن يقهر الدولة اليهودية بحجة فلسطينالديموقراطية.
وبعد أسبوع من لقاء نيويورك، بثت أمينة المفتي رسالةخطيرة الى الموساد، تتضمن هجوماً فلسطينياً مسلحاً سيتم بعد عدة ساعات على إحدى مدنالشمال. وقبلما تتخذ السلطات الاسرائيلية التدابير الأمنية الكافية كان ثلاثة منفدائي الجبهة الديموقراطية قد هاجموا مدينة بيت شين BET SHEAN انطلاقاً من الأراضيالأردنية على غير المتوقع، وقتلوا أربعة إسرائيليين ثم جزوا رؤوسهم تماماً وكتبوابدمائهم: "فليرحل أبناؤكم قبلما يلقوا مصيرنا. وبعد يومين تسلق أربعة فدائيين سورمطار دبي الدولي، وفتحوا نيران مدافعهم على الطائرة البريطانية التي كانت تتزودبالوقود في طريقها الى كلكتا وسنغافورة، فأصابوا أحد الهنود واحتجزوا 47 شخصاًكرهائن وصاروا بهم الى تونس، في ذات الوقت الذي أقر فيه السكرتير العام للأممالمتحدة حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والعودة الى وطنهم، والموافقة على اختيارمنظمة التحرير مراقباً في الأمم المتحدة.
وفي نهاية شهر يناير 1975 قال أبو إياد - مساعد عرفات - في تصريح له كالقنبلة: "إنني أعد بأن هذه الحادثة العارضة ستكون الأخيرة". وبهذاالتصريح، لم يعد هناك وجود لمنظمة أيلول الأسود. إذ غطت الحرب الأهلية اللبنانيةعلى كل شيء. وأصبح مقاتلو أيلول الاسود يكرسون جهودهم لمهام أخرى. وعندما طلبتأمينة الإذن بمغادرة بيروت الى تل أبيب، أعيد تذكيرها بإيجاد فرصة مناسبة لدخول شقةعلي حسن سلامة ومحاولة الحصول على القوائم السرية لرجال مخابراته في أوروبا، وخططالعمليات المستقبلية المطروحة. وعلى ذلك انتهزت أمينة فرصة لقائها بسلامة فيالكورال بيتش كالمعتاد، وسألته في خطأ فادح عن أولاده. فدهش الرجل الذي لم يحدثهاعنهم من قبل مطلقاً. وبحاسته الأمنية العالية ملأه الشك تجاهها، وقرر البحث عنماضيها وطلب من رجاله في عمان إعادة موافاته ببيانات عن الطبيبة الأردنية أمينةداود المفتي، التي يعيش اهلها بحي صويلح أرقى وأروع أحياء عمان.
فجاءه الرد بأنها بالفعل طبيبة أردنية، غادرت وطنهاالى النمسا للدراسة، ولمشاحنات مع أهلها قررت ألا تعيش بعمان. اطمأن سلامة لتحرياترجاله. . وتجددت ثقته بأمينة، لكن بلاغاً سرياً من أوروبا وصل الى مكتب المخابرات،قلب الأمور كلها رأساً على عقب.
الرسالة الأخيرة
أفاد البلاغ أن شاباً فلسطينياً في فرانكفورت، صرحلأحد المصادر السرية بأنه تقابل مع أحد الفلسطينيين في فيينا، وبعد عدةلقاءاتبينهما في حانات المدينة ومقاهيها، أخبره بأن له صديقة نمساوية يهودية، ماتت إثرتعاطيها جرعة زائدة من عقار مخدر، تزوج شقيقها الطيار من فتاة عربية مسلمة، وهربتمعه الى إسرائيل خوفاً من اكتشاف أمرها وملاحقة أجهزة المخابرات العربية لها. وأنالفتاة كانت تدرس الطب في النمسا، وانتقلت الى لبنان بعدما أسقط السوريون طائرةزوجها، الذي اعتبر مفقوداً.
كان البلاغ يحمل نبرة عالية من الشك، فلو أن الأمرصحيح إذن فهناك جاسوسة عربية بين الفلسطينيين. وطلب سلامة إعادة استجواب الشاب فيفرانكفورت، ولو اضطروا لأخذه الى النمسا ليدلهم على الفلسطيني الآخر. وذيل سلامةأوامره بضرورة السرعة، والى حين تصله معلومات آخرى، طلب حصر كل الطبيبات العربياتالمتطوعات في المستشفيات الفلسطينية. . واللبنانية أيضاً.
كان علي حسن سلامة شاباً ذكياً . . خارق الذكاء. شاهدبنفسه مقتل والده بيد اليهود وهو في الخامسة عشرة من عمره. ففرت به أمه من الرملةالى نابلس في الأردن. وعاش مثل آلاف الفلسطينيين في مخيم بائس يفتقر الى المياهوالكهرباء. وفي نابلس أكمل تعليمه وكان دائماً من المتفوقين، لا يأبه بمطارداتالفتيات له برغم وسامته وجسمه الرياضي. فقد كان لا يهتم إلا بالسياسة فقط. وبعدماحصل على الثانوية العامة بتفوق، حصل على منحة للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت،التي كانت مجمتعاً لكبار المثقفين الفلسطينيين.
واكتسب في الجامعة سمة الزعيم السياسي، حيث جمع منحوله الطلبة وألقى فيهم الخطب الثورية، وكان تأثيره يتزايد بينهم بعدما عرف لدىالجميع أن والده مات بين الإسرائيليين.
وكان يقول دائماً "لقد نسونا وإذا لم نفعل شيئاً سنبقىدائماً في الطين والوحل . . أذلاء. . بلا وطن". وتخرج من الجامعة مهندساً ليلتقيبياسر عرفات الذي كان قد أسس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد هذا اللقاء تبدلتحياته كلها، إذ شغل منصب قائد القوة 17، ثم رئيس المخابرات الفلسطينية - رصد - ورئيس العمليات بمنظمة أيلول الأسود التي دوخت إسرائيل بعملياتها الفدائيةالمذهلة.
استغل علي حسن سلامة ذكاءه الشديد في تعقب الخونةوالجواسيس، الذين يتم زرعهم بين صفوف المقاومة وتمكن من كشف عشرين منهم خلال فترةوجيزة، وحصل على دورات تدريبية على أيدي رجال المخابرات المصرية. إذ استهواه العملالفدائي والكفاح، وعشق مطاردة عملاء الموساد أينما كانوا. وأفلت مرات ومرات منمحاولات فاشلة لاغتياله، حيث كان يجيد التخفي . . ماكر كالثعلب. . جسور كالأسد. . صلب كالفولاذ. وبعدما جاءه البلاغ عن وجود طبيبة عربية متطوعة تعمل لصالح الموسادفي بيروت، اكنت أمامه بعد ثلاثة أيام قائمة طويلة تضم أسماء 37 طبيبة. . أربعة منهنفقط حصلن على شهاداتهن العلمية من جامعات النمسا. وكن جميعاً آنسات . . إحداهنبالطبع كانت أمينة داود المفتي.
وفي انتظار التقرير الحاسم الذي سيجيء من أوروبا . . أمر سلامة بوضع الأربعة تحت المراقبة الصارمة طوال الأربع والعشرين ساعة. لقد كانالسباق محموماً للوصل الى الحقيقة بأسرع ما يمكن . . وبينما الطقس مشحون بالشكوكوالترقب، أحست أمينة بعيني الجاسوسة المدربة، بأن هناك عيوناً ترصدها. . ولا تتركلها مساحة من الحرية لتتحرك بيسر كما اعتادت دائماً. وأول ما فكرت فيه هو التخلص منجهاز اللاسلكي، دليل الإدانة الذي سيقدمها الى حبل المشنقة. فبثت رسالتها الأخيرةالى الموساد : (آر. كيو. أر. هناك من يراقبني ليل نهار منذ الأمس. أنا خائفةومرتبكة. سأموت رعباً. أفيدوني. نفيه شالوم).
خبراء المخابرات دائماً يشفقون على العميل الخائف،خاصة إن كان مزروعاً ببلاد الأعداء. ويدركون جيداً حجم المعاناة النفسية الرهيبةالتي تغشى تفكيره، وقد تقود مسلكه الى نقطة النهاية والسقوط، بسب وقوعه في حالة ضعفتدمر أعصابه، وتعصف بجرأته وبثباته. وهم في تلك الحالات يفضلون أن يفر عميلهمبحياته وبأي ثمن. لذلك ردوا على أمينة بعد أقل من نصف الساعة: (ضعي الجهاز بسلةقمامة الشقة العلوية. إحرقي الشفرة. غادري بيروت بهدوء الى دمشق بطريق البر. ستجدينرسالة بمقهى "الشام".). تنفست أمينة الصعداء، وشرعت فوراً في تنفيذ أوامررؤسائها.
لقد كان عليها ألا تلتقي بأحد أفراد شبكتها. . لكن يجبتحذيرهم من السعي اليها. لذلك اتصلت من الشارع بخديجة زهران وأخبرتها أنها فيطريقها الى دمشق للسياحة.
ألقت بظلالها
يعصف بها الخوف والهلع، حملت أمينة حقيبة يدها الصغيرةوغادرت شقتها، لتدور بعدها في شوارع بيروت أشرس عملية هروب ومطاردة بين الجاسوسةالخائفة ومطارديها. وفي موقف السيارات المتجهة الى دمشق اعتقدت بأنها أفلتت منالمراقبة، حتى إذا ما صعدت الى الباص واطمأنت في مقعدها، فوجئت برجلي أمن يقفان الىجوارها، فألجمها الخوف وانخرست . . واعتقدت بأنها النهاية الحتمية لمشوار خيانتها،فقررت بألا تموت على أيدي الفلسطينيين. وبلا وعي . . انطلقت أصابعها في لحظةكالبرق، تبحث عن كبسولة سم السبانيد بين خصلات شعرها. لكن أيدي رجلا الأمن كانتالأسرع، إذا انقضت عليها كما تنقض حية الكوبرا على فريستها، واقتيدت الى سيارة بيجواستيشن مفتوحة الأبواب كانت تنتظر خلف الباص، يقف الى جوارها رجلان آخران جامديالملامح. وقبلما تبلغ أمينة البيجو فشلت ساقاها عن حملها، فاضطر الرجلان الى رفعهاعن الأرض رفعاً، وألقيا بها الى داخل السيارة التي انطلقت كالريح الى حي الفكهاني،تسبقها سيارة أودي - 80 - إل إس نقل أربعة رجال مدججين بالسلاح.
وأمام أحد المباني بالقرب من المدينة الرياضية، سحبالرجال العميلة المغماة الى الداخل، حيث أودعت في غرفة ضيقة تحت الأرض، تكبل يديهامن الخلف سلسلة حديدية طويلة ربطت الى الحائط. لم يكن لدى المخابرات الفلسطينية - رصد - حتى وهم يراقبونها دليل واحد ضدها. فالتقرير لم يصل بعد من أوروبا ليؤكدبراءتها من عدمه. لكن حينما أمسك رجال الأمن بها كانت ملامحها كلها تنطق بالخوفوتضج بالرعب، ولأنهم اعتادوا تلك الملامح التي ترسم عادة على وجوه الخونة، أيقنوابأن الأمر جد خطير . . خطير جداً. وأن الطبيبة المتطوعة متورطة في جرم ثم خاصة . . بعدما تعرضت المادة السائلة بالكبسولة للتحليل، واتضح أنها سم السبانيد الذي تكفينقطة واحدة منه لقتل فيل بالغ.
لقد كان لا بد من تركها هكذا لعدة أيام بدون استجواب،حتى تنهار إرادتها الى الحضيض من ناحية، ولمحاولة امتلاك أدلة مادية من ناحية أخرى. وعلى ذلك . . قام فريق متخصص بتفتيش شقتها تفتيشاً غاية في الدقة. . ولعدة مرات فشلفي العثور على دليل واحد يدينها، فالعميلة المدربة . . وبرغم خوفها الشديد، وجدتأمامها الفرصة الطويلة لإزالة أي آثار أو أدلة قد تقودها الى الموت. ولم تترك خلفهاسوى المصحف الشريف وقد انتزعت من منتصفه عدة صفحات، هي في مجملها كل سورة "بنيإسرائيل"، وصفحة ونصف من سورة "الكهف" وكان هذا الأمر يمثل لغزا محيراً لرجال رصد،الذين فشلوا في "رصد" العميلة دون أن تلقي بظلالها عليهم .
كان جهاز الأمن والمخابرات - رصد - يعمل في تلك الفترةتحت قيادة أبو إياد "صلاح خلف" الأب الروحي للمخابرات الفلسطينية ولمنظمة أيلولالأسود، برئاسة علي حسن سلامة رئيس العمليات والدينامو المحرك والعبقري الفذ. ويعدالجهاز أكثر العناصر المكونة سرية داخل منظمة التحرير الفلسطيني، فهو جهازالاستخبارات الأولية، وعمليات مكافحة الجاسوسية، وبه وحدة سرية لعمليات الخاصة، ولهمكاتب في كل من لبنان ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسوريا. ويصعب تقدير عدد أعضائه على وجه الدقة. وأبو إياد (1) هو معلم الجواسيس الأول فيمنظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول عن أمنها وجهازها السري، وهو أيضاً حلقةالاتصال الرئيسية بينها وبين الجبهات المعارضة، وأحد العناصر الضالعة في تخطيطوتنفيذ عملية ميونيخ، وكان هو الذي أمر في 1973 بالاستيلاء على السفارة السعودية فيالخرطوم وقتل السفير الأميركي ونائبه، كما لعب دوراً رئيسياً في حادث مقتل السفيرالأمريكي فرانسيس ميلوي في بيروت عام 1976، وكذلك في عشرات العمليات المسلحةالأخرى. وما إن وضع أمام أبو أياد تقرير كامل عن أمينة المفتي، حتى ذم شفتيه ملقياًبرأسه الى مسند كرسيه، ينظر الى حلقات دخان سجائره المتشابكة في صمت طويل . . وقاللسلامة في وجوم: يجب ألا نعاقب امرأة عربية دون أدلة قطعية قوية تؤكد إدانتها. فلننتظر تقرير رجالنا في أوروبا. وحتى يصل التقرير فلا عقاب ولا استجواب.
هكذا قبعت أمينة في زنزانتها المظلمة بباطن الأرضتترقب الموت ببطء، وتنسل من عروقها نبضات القوة رويداً رويداً، حتى استحالت الدقائقعندها الى جحيم ما بعده جحيم . وانقلب الانتظار الى وحش مسعور يفتك بعقلها . . وبوجدانها.
وكأنه العواء
كان رجال المخابرات الفلسطينية في أوروبا يلهثون خلفالشاب الفلسطيني العابث، يرفقهم الشاب الآخر صاحب البلاغ، والذي استقدموه منفرانكفورت رأساً الى فيينا. فهو الوحيد الذي يمكنه التعرف عليه بسهولة. هكذا جابواشوارع فيينا وحدائقها ومواخيرها دون جدوى، وكأنما انشقت الأرض وابتلعته. ولم يكنأمام الرجال إلا طريقة واحدة - غاية في الخطورة – لاستجلاء الحقيقة من مصادرهاالرسمية، وهي البحث عن سجلات مكتب "الزواج من أجانب". وكان الخوف كل الخوف من لفتانتباه رجال الموساد في النمسا الى ما ينقبون عنه، لذلك كانت عملية البحث تتم تحتستار كثيف من السرية . . والتكتم . وبواسطة خطاب مزور صادر عن السفارة الأردنية فيفيينا، يخاطب إدارة مكتب الزواج من أجانب، أمكن الوصول الى عنوان شقتها والى حقيقةالزواج المحرم. وفي الحال طار أحد الضباط الى بيروت يحمل صورة رسمية من عقد الزواج،في ذات الوقت الذي اقتحم فيها رجال رصد شقة أمينة المفتي بفيينا، حيث عثروا علىأجندة متوسطة الحجم، سجلت بها أمينة مذكراتها وتفاصيل عمليها في بيروت قبل رحلتهاالتدريبية الأولى لإسرائيل.
هكذا انكشف الأمر دون أن يلاحظ رجال الموساد المنتشرونفي النمسا أي شيء، أو يخطر ببالهم أن رجالاً يفوقونهم ذكاء ينقبون عن ماض غامضلعميلتهم المدربة. تجمعت كل الأدلة على مكتب أبو إياد الداهية، ولم يكن أمامه سوىمحاصرة أمينة والسيطرة عليها، لتكشف النقاب عما أبلغته للموساد، ودورها الحقيقي فيترصد حركة المقاومة، خاصة بعد فشل عدة عمليات فدائية كان وراءها جاسوس خفي، وأيضاً. . لترشد عن بقية أعضاء شبكتها في بيروت أو خارجها.
كانت هناك خطط عديدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتبعها رجال المخابرات الفلسطينية. أما والحالة هنا لامرأة عربية خائنة فالوضع يختلف. إنها إحدى الحالات النادرة التي تواجه أبو إياد ورجاله. لذلك، اقترح علي حسن سلامة الاعتماد على خطة جديدة تناسب الحالة، تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه كان أسيراً لدى السوريين، وقد أُطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية مبادلة نشرت عنها الصحف. وكان الغرض من كل ذلك إشعار الجاسوسة بعقدة الذنب، لتحس بالندم الشديد على ما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب. وعلى ذلك . . . سربوا اليها إحدى الصحف اليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة زوجها الأسير وسط العديد من زملائه، قبلما يغادرون سوريا الى اسرائيل برفقة رجال الصليب الأحمر. كانت هناك بالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة طبعت خصيصاً لأجل المهمة المحددة. وما إن قرأت أمينة الخبر، حتى لفها صمت غمس بالذهول، وقد جحظت عيناها لهول الصدمة والمفاجأة، وانطلق من جوفها صوت نحيب رتيب كأنه العواء. وليس هناك أبلغ مما كتبته بنفسها عن تلك اللحظة الخطيرة من حياتها
الغضب الهادر
أسفرت عملية تجنيد مارون الحايك عن فائدة عظيمةلإسرائيل . . إذ أن التجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية،كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة. ولمتكن الأحاديث التليفونية المتداولة من خلال التليفونات السرية أحاديثاً مكشوفةتماماً، يستطيع المتنتصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوبالتمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها. وثقة في اللبنانيين، كانزعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية فيما بينهم صراحة، أو معمساعديهم ظناً منهم - وهذا خطأ كبير - أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل. فالدوائر التليفونية المغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى فيبيروت نفسها يتم بواسطة خطوط شبكة المدينة. وكذا الاتصال بخارج المدينة، وكانتالسرية خاضعة للخدش عن طريق زرع أجهزة التنصت . . أو استراق السمع بأسلوب مارونالحايك، من خلال الغرفة السرية التي أقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسسعلى المسلمين . . وعلى الفلسطينيين أيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم،فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسط بيروت وجنوبها. فبالحي الذي يقع بالقرب من مخيميصبرا وشاتيلا، أعدت منظمة التحرير مكاتبها بطريقة عشوائية حول مبنى جامعة الدولالعربية. وأقام قادتها في مبان مجهولة تحت حراسات مشددة. فالمنظمة التي أسسها عرفات - خريج هندسة القاهرة 1956 - أكثر من مجرد مقاومة شعبية . . بل جيش مسلح مدرب،يتربص بإسرائيل لضربها في الأعماق.
كانت أمينة المفتي تدرك ذلك جيداً . . وترى بنفسهاالرقابة القوية الصارمة التي تفرضها كبرى المنظمات الفلسطينية - فتح - على منشآتهافي حي الفكهاني. . والحراسة المكثفة التي حول مقر عرفات كلما ذهبت لمقابلته. وعندمااتصل بها مارون الحايك قبل الفجر بقليل، فتحت على الفور جهاز اللاسلكي صباح يوم 23مايو 1974، وبثت الى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن - سيهاجم ثمانية من الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت . . تسليحهم رشاشات كلاشنوقنابل 57 ملم/ م.د. نفيه شالوم) وبالفعل . . صدقت المعلومة تماماً . . وأطبقالاسرائيليون على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. وعندما كانتأمينة المفتي تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السريالخاص بمكتب جورج حبش (1). لاحظت بعد عدة مكالمات له، أن هناك ترتيبات عسكرية يتمإعدادها بشكل سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا. حيث بدا جورج حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13يونيو. وفي غمرة انفعاله نطق اسم كيبوتز شامير (2) سهواً. لم تهمل عميلة الموسادالأمر. وأبلغت رؤسائها على الفور بما سمعته. وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة منالفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبلما يستعملوا رشاشاتهمالآلية. وفي 27 يونيو 1974 - لقى ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا أربعة منالجنود الإسرائيليين في نهاريا.
لقد كانت الطائرات الاسرائيلية ترد بوحشية إثر كلعملية فدائية. فتدك المواقع الفلسطينية في الجنوب، من معسكرات ومخيمات ومحطات تموينومراقبة. وتضرب كل ما هو فلسطيني على أرض لبنان. وكانت المعلومات التي أمدت بهاأمينة الموساد، تلك التي تكشفتها من خلال غرفة السنترال السرية، هي بلا شك معلوماتحيوية للغاية، لا تحتمل التأويل أو الشك. . تجيء عبر أحاديث صاعنعي القرار أنفسهم . . من أعلى مستويات القيادة الفلسطينية. إنها سلسلة طويلة من التبليغات التي أودتبحياة العشرات من الشباب الفدائي المكافح أشعرت أمينة بأهمية دورها . . وقوةمركزها، دون إحساس ولو ضئيل بالندم . . بل ازدياد مستمر في حدة الغضب . . لضراوةالثأر لفقد زوجها الحبيب موشيه.
الأصدقاء الجدد
كانت الحكومة الاسرائيلية مصممة على تدمير البنيةالعسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعة مصالحها في لبنان تشملدبلوماسية سرية. فقد حدث اتصال وثيق بين الموساد وميليشيات لبنان المسيحية - الكتائب - منذ ذلك العام - 1974 - حين كان الزعماء المسيحيون يخشون فقدان السيطرةالتي يتمتعون بها، عندما شكل منافسوهم المسلمون اللبنانيون ائتلافاً مع الفلسطينيينالكثيرين في لبنان، فزادوا بذلك قوة . . ونفوذاً. وبدأوا يطالبون بنصيب أكبر فيالفطيرة السياسية. لكن السياسيين المسيحيين رفضوا أية إصلاحات في نظام يناسبهمكثيراً (1). من هنا .. تم إقناع زعيمي الميليشيا المسيحية، كميل شمعون وبيارالجميل، بالدخول في اتصالات سرية مع الدولة اليهودية. وقد عقد شمعون - الذي كانرئيس جمهورية سابق، والجميل - وكان وزيراً - محادثات سرية مطولة مع إسحاق رابينرئيس وزراء إسرائيل، بغية الحصول على مساعدات عسكرية وتدريبية لميليشيات الكتائب،للوقوف أمام قوة المسلمين والفلسطينيين.
ومنذ منتصف ذلك العام - 1974 - دعمت الموساد الاتصالاتمع الكتائب على اعتقاد بأنها ستوفر مزايا هامة لإسرائيل، أهمها إسكات المقاومةالفلسطينية في جنوب لبنان، والتجسس على الجيش السوري. لذلك .. كانت صفوف طويلة منعملاء الموساد تعمل في لبنان باطمئنان، وبلا خوف من السلطات اللبنانية. لكن الخوفكان منبعه جهاز المخابرات الفلسطيني برئاسة علي حسن سلامة، الذي استطاع بنفسه كشفأكثر من عشرين عميلاً للموساد بين صفوف المقاومة . . أعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريببدوائر من الشكوك والريب.
وقد كان من الطبيعي أن يصبح زعماء الميليشيا المسيحيةفي لبنان أصدقاء إسرائيل، وذراعها القوية لضرب الفلسطينيين بعد ذلك . . وارتكابأبشع المذابح بحق الشعب المقهور.
انتهزت أمينة المفتي هذا التقارب اللبناني / الإسرائيلي، وسعت خلف بشير الجميل - ابن بيار - الذي كان محامياً في بلد لا قانونفيها، فجمعت عنه حصيلة هامة من المعلومات أمدت بها الموساد.
وعرف عن بشير أنه جريء . . وماكر . . وإجرامي. فرغمكونه أصغر ستة أبناء لبيار، تقدم بسرعة . . ولم يبد أي تردد في قتل حلفائهالمسيحيين - أفراد أسرتي شمعون وفرنجية - حتى أصبح مسؤولاً عن أكبر ميليشيا مسيحيةفي لبنان.
رأس الحية
وفي الأول من أكتوبر 1974 عندما كانت بغرفة المراقبةالسرية بالسنترال، صعقت وهي تستمع الى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه،وأدركت أنها النهاية المؤكدة للملك حسين. بل ولمؤتمر القمة العربي في الرباط. ولنقرأ معاً ما كتبته في مذكراتها عن أحداث ذلك اليوم. تقول أمينة:
(كنت بالغرفة السرية منهمكة في عملي، تمتد أسلاك جهازالتسجيل الى جواري، وعلى كرسيه يقبع خلفي مارون الحايك، تلفح جسدي نيران نظراتهبرغم هواء الغرفة المكيف اللطيف. كان الغرفة الواسعة ذات بابين، أحدهما مغلق دائماًولا يفتح إلا بإذن خاص وهو يؤدي الى الممر الرئيسي، أما الباب الآخر فسري ويشكلجزءاً من دولاب حائط كبير، ويتصل بسلم خلفي صاعد. كنت أنصت الى حوار هادئ بين عبدالوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمدجبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت عملية فدائية ناجحة في إسرائيل منذ فترةوجيزة. وأصابني الملل لتفاهة الحوار بينهما، فالتفت الى مارون الذي انتبه اليّوسألته عمن يعرف سر هذه الحجرة المثيرة، فأجابني بأنهم نفر قليل، وإجراءات دخولهاتخضع لتعقيدات وقيود كثيرة. وأنه لولا الأربعين ليرة التي دفعها للحارس الخاصللغرفة، ما استطاعا الدخول أبداً. كان مارون يحدثني بنبرة مليئة بالثقة بما يدل علىأنه قام بعمل بطولي لأجلي، لذلك ترك مقعده واقترب مني مبتسماً، فقبلته . . وأحسستوهو يخاصرني بأنه هدأ كثيراً من ناحيتي .. ويريد مني الكثير فنهرته بلطف، واقتحمتخطوط عرفات وحواتمة وأبو إياد فوجدتها مغلقة. وحينما فكرت في إيقاف جهاز التسجيلطرأة ببالي فكرة التجسس على تليفون سلامة.
لقد كان الوقت قبل منتصف الليل بقليل، وسلامة يتحدث معأحد رفقائه ويدعى أبو نضال (1). ضغطت على زر التسجيل وأحكمت السماعتين فوق أذنيوانتبهت للحوار بينهما. كان مارون ما يزال ملتصقاً بي من الخلف يثيرني بقبلاتهالمجنونة حول رقبتي، عندما اقشعر بدني كله وبدأ شعر رأسي كأنه يتصلب . . وينتصب،وأنا أستمع الى سلامة يقول في ثورة (التل (2) وحده لا يكفي . علينا برأس الحية صديقاليهود، ومؤتمر الرباط فرصتنا الأكيدة فلنكن حذرين . . وشجعان . الله معك يا أبونضال). هناك إذن تخطيط لاغتيال الملك حسين في الرباط . . وتبنت العملية منظمة أيلولالأسود.
وحين نزعت الأسلاك كانت رأسي تدور وتدور يد مارونالمثار حول مؤخرتي، فسألته أن يؤمن الطريق لأخرج. وفي شقتي لم أقو على الانتظارلأبدل ملابسي، فأرسلت على الفور برسالتي الخطيرة الى الموساد. وبعد ست وثلاثيندقيقة جاءتني رسالة تطلب مني إعادة البث. فأيقنت أن القلق ركب رؤوس القيادة فيإسرائيل، خوفاً على صديقهم العربي الأوحد. . الملك حسين. . ومرت ثلث الساعة إلادقيقة واحدة، وجاءتني رسالة أخرى تحمل أمراً هو غاية في العجب. . والدهشة. إذ أمرتبالبحث عن وسيلة لدخول شقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله. فحتى تلك اللحظة. . لمأكن أعلم أن لسلامة أولاد . . وزوجة أخرى تمت بصلة قرابى لمفتي فلسطين الحاج أمينالحسيني. وقلت في نفسي: أترضى ملكة جمال الكون - جورجينا رزق - بدور الزوجةالثانية؟؟ يا لسلامة المحظوظ . . الهانئ . . السعيد. . !!
شبكة الأربعة
لم تكن فكرة اغتيال الملك حسين ناشئة من فراغ. فالفلسطينيون رأوا منه أكثر مما تصوروا. . فمنذ عام 1970 وهو مرتبط بعلاقات وثيقةبالإسرائيليين خوفاً على عرشه. واجتمع بموشي ديان لمرات عديدة في محادثات سرية، فيذلك الوقت كان اللاجئون الفلسطينيون يشكلون نحن نصف سكان مملكته، ويشكلون أيضاًمصدر إزعاج متزايد له، بقيامهم بعمليات فدائية داخل الضفة الغربية انطلاقاً منالأردن، يرد عليها الإسرائيليون بالمثل، ويضغطون على الملك لوقف تلك العمليات،بتوجيه ضربة للفلسطينيين تفتت قوتهم وقواتهم.
وقد كان . . ومات عشرات الآلاف من الأبرياء فيما سميبأيلول الأسود عام 1970. وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات،والتي يترأس عملياتها علي حسن سلامة الذي نفذ أولى عملياتها باغتيال وصفي التل، ثمتوالت العمليات في عواصم أوروبا ضد الإسرائيليين. وبعد حرب أكتوبر توصل العرب فيالجزائر الى صيغة رسمية وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيدللشعب الفلسطيني. وشكل هذا الأمر خلافاً جوهرياً مع الملك حسين، الذي كان يدعيلنفسه هذا الحق. حتى جاء شهر يوليو 1974، ومعه خطوة هامة، عندما اتفق الملك حسينوالسادات على صيغة أخرى تحفظ ماء وجه الملك. وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هيالممثل الشرعي للفلسطينيين، باستثناء الفلسطينيين الذين يعيشون في المملكةالهاشمية. فأثار البيان منظمة التحرير، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص من الملكحسين.
وحالف الحظ الملك، عندما تمكنت السلطات المغربية منإلقاء القبض على وحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من أسبانيا لاغتياله، وتمالتعتيم على الأمر خاصة وقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول علىأكبر دعم عربي لشرعية منظمة التحرير. وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمةمسؤولة عن وضع الاستراتيجية التي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشروعةللفلسطينيين، أي أن المنظمة مطالبة باتخاذ مواقف محددة وواضحة: هل هي تريد تحريرفلسطين كلها أم جزء منها تقام عليه الدولة الفلسطينية. . ؟
وفي هذه الحالة . . كيف تستطيع إعداد الوسائل التيتمكنها من الوصول الى هذا الهدف؟. وهل هي تريد الوصول اليها بجهدها الخاص أوبالتنسيق بين استراتيجيتها والاستراتيجية العربية، وعلى وجه التحديد بيناستراتيجيتها واستراتيجية مصر وسوريا - اللتين تعملان تحت قيادة عسكرية موحدة - باعتبارهما أقوى دول المواجهة في المنظمة. أو هل تريد المنظمة العودة الى قرارالتقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948؟ . . أو تريد إقامة دولة فلسطينية فيالضفة الغربية وقطاع غزة؟ . . وفي هذه الحالة . . هل هي مستعدة للاعتراف بقرار مجلسالأمن رقم 242 إذا ما عدلت الفقرة التي تتحدث عن "اللاجئين الفلسطينيين" الى "الشعبالفلسطيني"؟ . . وفي هذه الحالة . . هل هي مستعدة للذهاب الى مؤتمر جنيف؟ . . وإذاما قررت الذهاب الى جنيف كيف يمكن حل مشكلة اعترافها بالوجود الإسرائيلي في فلسطين؟ . . او باعتراف إسرائيل بها؟. . أي الاعترافين يجب أن يسبق الآخر؟ . . عشراتالأسئلة طولبت أمينة المفتي بالتجسس على أعضاء اللجنة التنفيذية العشرة لتكشفنواياهم. والأعضاء هم خليط لكافة التيارات الفلسطينية، فهناك التيارات اليمينيةالمتطرفة، واليسارية والمحايدة، والمتعصبة، بعضهم شيوعيون وآخرون معارضون لهموللماركسيين، وهناك ديموقراطيون و . . و . . الخ.
كل هذه التيارات المختلفة، متفقة فيما بينها علىالاستراتيجية العامة. فالهدف - هو تحرير فلسطين، وإن كان هناك اختلاف في التكتيكطلب منها أيضاً معرفة المصادر المالية للمنظمة ومخازن السلاح في سوريا، ورأيالقيادة العليا في مسألة القدس (1) لذلك . . انشغلت أمينة بشكل لم يسبق له مثيل. . وساعدها مارون ومانويل في نوبات التنصت على تليفونات القيادات الفلسطينية، بل إنهااستطاعت تجنيد صديقتها خديجة زهران التي طُلقت من زوجها اللبناني، فتزوجت بغيرهوطلقت منه أيضاً، وسقطت في شبكة أمينة المفتي في أحلك لحظات ضعفها وحاجتها الىالنسيان . . والمغامرة. . والثراء. رباعي عجيب انطلق في مهام تجسسية صعبة، لإمدادالموساد بأخطر المعلومات عن الفلسطينيين الذين كانوا يستشعرون وجود مؤامرات لبنانيةلتصفيتهم، وقالوا للبنانيين: إنكم لن تستطيعوا تصفيتنا لأنكم لا تملكون القوةالكافية لذلك. ونحن لا نريد منكم إلا تمهيد الطريق لنا الى فلسطين. والطريق الىفلسطين يمر بعينطورة وجونية، وهما منطقتان لبنانيتان مسيحيتان، إحداهما في الجبلوالثانية على الساحل. فتساءل اللبنانيون: ماذا يفعل الفلسطينيون في الجبل وهو يبعدعن طريق فلسطين بأكثر من مائة كيلو متر؟ . . والحقيقة. . أن الطرفين كانا على حق. وتلك كانت مقدمة للحرب الأهلية اللبنانية.
الخطأ المدمر
وفي يوم 22 نوفمبر 1974، دخل ياسر عرفات لأول مرة مبنىالأمم المتحدة في نيويورك، مطالباً بإلغاء دولة إسرائيل، وإقامة دولة ديموقراطيةتتكون من العقائد الدينية الثلاثة - الاسلام والمسيحية واليهودية، والا فليس أمامهمسوى الكفاح المسلح. ويخرج وفد إسرائيل غاضباً ليصرح السفير الاسرائيلي بأن عرفاتالذي قتل الأطفال اليهود، يحاول أن يقهر الدولة اليهودية بحجة فلسطينالديموقراطية.
وبعد أسبوع من لقاء نيويورك، بثت أمينة المفتي رسالةخطيرة الى الموساد، تتضمن هجوماً فلسطينياً مسلحاً سيتم بعد عدة ساعات على إحدى مدنالشمال. وقبلما تتخذ السلطات الاسرائيلية التدابير الأمنية الكافية كان ثلاثة منفدائي الجبهة الديموقراطية قد هاجموا مدينة بيت شين BET SHEAN انطلاقاً من الأراضيالأردنية على غير المتوقع، وقتلوا أربعة إسرائيليين ثم جزوا رؤوسهم تماماً وكتبوابدمائهم: "فليرحل أبناؤكم قبلما يلقوا مصيرنا. وبعد يومين تسلق أربعة فدائيين سورمطار دبي الدولي، وفتحوا نيران مدافعهم على الطائرة البريطانية التي كانت تتزودبالوقود في طريقها الى كلكتا وسنغافورة، فأصابوا أحد الهنود واحتجزوا 47 شخصاًكرهائن وصاروا بهم الى تونس، في ذات الوقت الذي أقر فيه السكرتير العام للأممالمتحدة حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والعودة الى وطنهم، والموافقة على اختيارمنظمة التحرير مراقباً في الأمم المتحدة.
وفي نهاية شهر يناير 1975 قال أبو إياد - مساعد عرفات - في تصريح له كالقنبلة: "إنني أعد بأن هذه الحادثة العارضة ستكون الأخيرة". وبهذاالتصريح، لم يعد هناك وجود لمنظمة أيلول الأسود. إذ غطت الحرب الأهلية اللبنانيةعلى كل شيء. وأصبح مقاتلو أيلول الاسود يكرسون جهودهم لمهام أخرى. وعندما طلبتأمينة الإذن بمغادرة بيروت الى تل أبيب، أعيد تذكيرها بإيجاد فرصة مناسبة لدخول شقةعلي حسن سلامة ومحاولة الحصول على القوائم السرية لرجال مخابراته في أوروبا، وخططالعمليات المستقبلية المطروحة. وعلى ذلك انتهزت أمينة فرصة لقائها بسلامة فيالكورال بيتش كالمعتاد، وسألته في خطأ فادح عن أولاده. فدهش الرجل الذي لم يحدثهاعنهم من قبل مطلقاً. وبحاسته الأمنية العالية ملأه الشك تجاهها، وقرر البحث عنماضيها وطلب من رجاله في عمان إعادة موافاته ببيانات عن الطبيبة الأردنية أمينةداود المفتي، التي يعيش اهلها بحي صويلح أرقى وأروع أحياء عمان.
فجاءه الرد بأنها بالفعل طبيبة أردنية، غادرت وطنهاالى النمسا للدراسة، ولمشاحنات مع أهلها قررت ألا تعيش بعمان. اطمأن سلامة لتحرياترجاله. . وتجددت ثقته بأمينة، لكن بلاغاً سرياً من أوروبا وصل الى مكتب المخابرات،قلب الأمور كلها رأساً على عقب.
الرسالة الأخيرة
أفاد البلاغ أن شاباً فلسطينياً في فرانكفورت، صرحلأحد المصادر السرية بأنه تقابل مع أحد الفلسطينيين في فيينا، وبعد عدةلقاءاتبينهما في حانات المدينة ومقاهيها، أخبره بأن له صديقة نمساوية يهودية، ماتت إثرتعاطيها جرعة زائدة من عقار مخدر، تزوج شقيقها الطيار من فتاة عربية مسلمة، وهربتمعه الى إسرائيل خوفاً من اكتشاف أمرها وملاحقة أجهزة المخابرات العربية لها. وأنالفتاة كانت تدرس الطب في النمسا، وانتقلت الى لبنان بعدما أسقط السوريون طائرةزوجها، الذي اعتبر مفقوداً.
كان البلاغ يحمل نبرة عالية من الشك، فلو أن الأمرصحيح إذن فهناك جاسوسة عربية بين الفلسطينيين. وطلب سلامة إعادة استجواب الشاب فيفرانكفورت، ولو اضطروا لأخذه الى النمسا ليدلهم على الفلسطيني الآخر. وذيل سلامةأوامره بضرورة السرعة، والى حين تصله معلومات آخرى، طلب حصر كل الطبيبات العربياتالمتطوعات في المستشفيات الفلسطينية. . واللبنانية أيضاً.
كان علي حسن سلامة شاباً ذكياً . . خارق الذكاء. شاهدبنفسه مقتل والده بيد اليهود وهو في الخامسة عشرة من عمره. ففرت به أمه من الرملةالى نابلس في الأردن. وعاش مثل آلاف الفلسطينيين في مخيم بائس يفتقر الى المياهوالكهرباء. وفي نابلس أكمل تعليمه وكان دائماً من المتفوقين، لا يأبه بمطارداتالفتيات له برغم وسامته وجسمه الرياضي. فقد كان لا يهتم إلا بالسياسة فقط. وبعدماحصل على الثانوية العامة بتفوق، حصل على منحة للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت،التي كانت مجمتعاً لكبار المثقفين الفلسطينيين.
واكتسب في الجامعة سمة الزعيم السياسي، حيث جمع منحوله الطلبة وألقى فيهم الخطب الثورية، وكان تأثيره يتزايد بينهم بعدما عرف لدىالجميع أن والده مات بين الإسرائيليين.
وكان يقول دائماً "لقد نسونا وإذا لم نفعل شيئاً سنبقىدائماً في الطين والوحل . . أذلاء. . بلا وطن". وتخرج من الجامعة مهندساً ليلتقيبياسر عرفات الذي كان قد أسس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد هذا اللقاء تبدلتحياته كلها، إذ شغل منصب قائد القوة 17، ثم رئيس المخابرات الفلسطينية - رصد - ورئيس العمليات بمنظمة أيلول الأسود التي دوخت إسرائيل بعملياتها الفدائيةالمذهلة.
استغل علي حسن سلامة ذكاءه الشديد في تعقب الخونةوالجواسيس، الذين يتم زرعهم بين صفوف المقاومة وتمكن من كشف عشرين منهم خلال فترةوجيزة، وحصل على دورات تدريبية على أيدي رجال المخابرات المصرية. إذ استهواه العملالفدائي والكفاح، وعشق مطاردة عملاء الموساد أينما كانوا. وأفلت مرات ومرات منمحاولات فاشلة لاغتياله، حيث كان يجيد التخفي . . ماكر كالثعلب. . جسور كالأسد. . صلب كالفولاذ. وبعدما جاءه البلاغ عن وجود طبيبة عربية متطوعة تعمل لصالح الموسادفي بيروت، اكنت أمامه بعد ثلاثة أيام قائمة طويلة تضم أسماء 37 طبيبة. . أربعة منهنفقط حصلن على شهاداتهن العلمية من جامعات النمسا. وكن جميعاً آنسات . . إحداهنبالطبع كانت أمينة داود المفتي.
وفي انتظار التقرير الحاسم الذي سيجيء من أوروبا . . أمر سلامة بوضع الأربعة تحت المراقبة الصارمة طوال الأربع والعشرين ساعة. لقد كانالسباق محموماً للوصل الى الحقيقة بأسرع ما يمكن . . وبينما الطقس مشحون بالشكوكوالترقب، أحست أمينة بعيني الجاسوسة المدربة، بأن هناك عيوناً ترصدها. . ولا تتركلها مساحة من الحرية لتتحرك بيسر كما اعتادت دائماً. وأول ما فكرت فيه هو التخلص منجهاز اللاسلكي، دليل الإدانة الذي سيقدمها الى حبل المشنقة. فبثت رسالتها الأخيرةالى الموساد : (آر. كيو. أر. هناك من يراقبني ليل نهار منذ الأمس. أنا خائفةومرتبكة. سأموت رعباً. أفيدوني. نفيه شالوم).
خبراء المخابرات دائماً يشفقون على العميل الخائف،خاصة إن كان مزروعاً ببلاد الأعداء. ويدركون جيداً حجم المعاناة النفسية الرهيبةالتي تغشى تفكيره، وقد تقود مسلكه الى نقطة النهاية والسقوط، بسب وقوعه في حالة ضعفتدمر أعصابه، وتعصف بجرأته وبثباته. وهم في تلك الحالات يفضلون أن يفر عميلهمبحياته وبأي ثمن. لذلك ردوا على أمينة بعد أقل من نصف الساعة: (ضعي الجهاز بسلةقمامة الشقة العلوية. إحرقي الشفرة. غادري بيروت بهدوء الى دمشق بطريق البر. ستجدينرسالة بمقهى "الشام".). تنفست أمينة الصعداء، وشرعت فوراً في تنفيذ أوامررؤسائها.
لقد كان عليها ألا تلتقي بأحد أفراد شبكتها. . لكن يجبتحذيرهم من السعي اليها. لذلك اتصلت من الشارع بخديجة زهران وأخبرتها أنها فيطريقها الى دمشق للسياحة.
ألقت بظلالها
يعصف بها الخوف والهلع، حملت أمينة حقيبة يدها الصغيرةوغادرت شقتها، لتدور بعدها في شوارع بيروت أشرس عملية هروب ومطاردة بين الجاسوسةالخائفة ومطارديها. وفي موقف السيارات المتجهة الى دمشق اعتقدت بأنها أفلتت منالمراقبة، حتى إذا ما صعدت الى الباص واطمأنت في مقعدها، فوجئت برجلي أمن يقفان الىجوارها، فألجمها الخوف وانخرست . . واعتقدت بأنها النهاية الحتمية لمشوار خيانتها،فقررت بألا تموت على أيدي الفلسطينيين. وبلا وعي . . انطلقت أصابعها في لحظةكالبرق، تبحث عن كبسولة سم السبانيد بين خصلات شعرها. لكن أيدي رجلا الأمن كانتالأسرع، إذا انقضت عليها كما تنقض حية الكوبرا على فريستها، واقتيدت الى سيارة بيجواستيشن مفتوحة الأبواب كانت تنتظر خلف الباص، يقف الى جوارها رجلان آخران جامديالملامح. وقبلما تبلغ أمينة البيجو فشلت ساقاها عن حملها، فاضطر الرجلان الى رفعهاعن الأرض رفعاً، وألقيا بها الى داخل السيارة التي انطلقت كالريح الى حي الفكهاني،تسبقها سيارة أودي - 80 - إل إس نقل أربعة رجال مدججين بالسلاح.
وأمام أحد المباني بالقرب من المدينة الرياضية، سحبالرجال العميلة المغماة الى الداخل، حيث أودعت في غرفة ضيقة تحت الأرض، تكبل يديهامن الخلف سلسلة حديدية طويلة ربطت الى الحائط. لم يكن لدى المخابرات الفلسطينية - رصد - حتى وهم يراقبونها دليل واحد ضدها. فالتقرير لم يصل بعد من أوروبا ليؤكدبراءتها من عدمه. لكن حينما أمسك رجال الأمن بها كانت ملامحها كلها تنطق بالخوفوتضج بالرعب، ولأنهم اعتادوا تلك الملامح التي ترسم عادة على وجوه الخونة، أيقنوابأن الأمر جد خطير . . خطير جداً. وأن الطبيبة المتطوعة متورطة في جرم ثم خاصة . . بعدما تعرضت المادة السائلة بالكبسولة للتحليل، واتضح أنها سم السبانيد الذي تكفينقطة واحدة منه لقتل فيل بالغ.
لقد كان لا بد من تركها هكذا لعدة أيام بدون استجواب،حتى تنهار إرادتها الى الحضيض من ناحية، ولمحاولة امتلاك أدلة مادية من ناحية أخرى. وعلى ذلك . . قام فريق متخصص بتفتيش شقتها تفتيشاً غاية في الدقة. . ولعدة مرات فشلفي العثور على دليل واحد يدينها، فالعميلة المدربة . . وبرغم خوفها الشديد، وجدتأمامها الفرصة الطويلة لإزالة أي آثار أو أدلة قد تقودها الى الموت. ولم تترك خلفهاسوى المصحف الشريف وقد انتزعت من منتصفه عدة صفحات، هي في مجملها كل سورة "بنيإسرائيل"، وصفحة ونصف من سورة "الكهف" وكان هذا الأمر يمثل لغزا محيراً لرجال رصد،الذين فشلوا في "رصد" العميلة دون أن تلقي بظلالها عليهم .
كان جهاز الأمن والمخابرات - رصد - يعمل في تلك الفترةتحت قيادة أبو إياد "صلاح خلف" الأب الروحي للمخابرات الفلسطينية ولمنظمة أيلولالأسود، برئاسة علي حسن سلامة رئيس العمليات والدينامو المحرك والعبقري الفذ. ويعدالجهاز أكثر العناصر المكونة سرية داخل منظمة التحرير الفلسطيني، فهو جهازالاستخبارات الأولية، وعمليات مكافحة الجاسوسية، وبه وحدة سرية لعمليات الخاصة، ولهمكاتب في كل من لبنان ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسوريا. ويصعب تقدير عدد أعضائه على وجه الدقة. وأبو إياد (1) هو معلم الجواسيس الأول فيمنظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول عن أمنها وجهازها السري، وهو أيضاً حلقةالاتصال الرئيسية بينها وبين الجبهات المعارضة، وأحد العناصر الضالعة في تخطيطوتنفيذ عملية ميونيخ، وكان هو الذي أمر في 1973 بالاستيلاء على السفارة السعودية فيالخرطوم وقتل السفير الأميركي ونائبه، كما لعب دوراً رئيسياً في حادث مقتل السفيرالأمريكي فرانسيس ميلوي في بيروت عام 1976، وكذلك في عشرات العمليات المسلحةالأخرى. وما إن وضع أمام أبو أياد تقرير كامل عن أمينة المفتي، حتى ذم شفتيه ملقياًبرأسه الى مسند كرسيه، ينظر الى حلقات دخان سجائره المتشابكة في صمت طويل . . وقاللسلامة في وجوم: يجب ألا نعاقب امرأة عربية دون أدلة قطعية قوية تؤكد إدانتها. فلننتظر تقرير رجالنا في أوروبا. وحتى يصل التقرير فلا عقاب ولا استجواب.
هكذا قبعت أمينة في زنزانتها المظلمة بباطن الأرضتترقب الموت ببطء، وتنسل من عروقها نبضات القوة رويداً رويداً، حتى استحالت الدقائقعندها الى جحيم ما بعده جحيم . وانقلب الانتظار الى وحش مسعور يفتك بعقلها . . وبوجدانها.
وكأنه العواء
كان رجال المخابرات الفلسطينية في أوروبا يلهثون خلفالشاب الفلسطيني العابث، يرفقهم الشاب الآخر صاحب البلاغ، والذي استقدموه منفرانكفورت رأساً الى فيينا. فهو الوحيد الذي يمكنه التعرف عليه بسهولة. هكذا جابواشوارع فيينا وحدائقها ومواخيرها دون جدوى، وكأنما انشقت الأرض وابتلعته. ولم يكنأمام الرجال إلا طريقة واحدة - غاية في الخطورة – لاستجلاء الحقيقة من مصادرهاالرسمية، وهي البحث عن سجلات مكتب "الزواج من أجانب". وكان الخوف كل الخوف من لفتانتباه رجال الموساد في النمسا الى ما ينقبون عنه، لذلك كانت عملية البحث تتم تحتستار كثيف من السرية . . والتكتم . وبواسطة خطاب مزور صادر عن السفارة الأردنية فيفيينا، يخاطب إدارة مكتب الزواج من أجانب، أمكن الوصول الى عنوان شقتها والى حقيقةالزواج المحرم. وفي الحال طار أحد الضباط الى بيروت يحمل صورة رسمية من عقد الزواج،في ذات الوقت الذي اقتحم فيها رجال رصد شقة أمينة المفتي بفيينا، حيث عثروا علىأجندة متوسطة الحجم، سجلت بها أمينة مذكراتها وتفاصيل عمليها في بيروت قبل رحلتهاالتدريبية الأولى لإسرائيل.
هكذا انكشف الأمر دون أن يلاحظ رجال الموساد المنتشرونفي النمسا أي شيء، أو يخطر ببالهم أن رجالاً يفوقونهم ذكاء ينقبون عن ماض غامضلعميلتهم المدربة. تجمعت كل الأدلة على مكتب أبو إياد الداهية، ولم يكن أمامه سوىمحاصرة أمينة والسيطرة عليها، لتكشف النقاب عما أبلغته للموساد، ودورها الحقيقي فيترصد حركة المقاومة، خاصة بعد فشل عدة عمليات فدائية كان وراءها جاسوس خفي، وأيضاً. . لترشد عن بقية أعضاء شبكتها في بيروت أو خارجها.
كانت هناك خطط عديدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتبعها رجال المخابرات الفلسطينية. أما والحالة هنا لامرأة عربية خائنة فالوضع يختلف. إنها إحدى الحالات النادرة التي تواجه أبو إياد ورجاله. لذلك، اقترح علي حسن سلامة الاعتماد على خطة جديدة تناسب الحالة، تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه كان أسيراً لدى السوريين، وقد أُطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية مبادلة نشرت عنها الصحف. وكان الغرض من كل ذلك إشعار الجاسوسة بعقدة الذنب، لتحس بالندم الشديد على ما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب. وعلى ذلك . . . سربوا اليها إحدى الصحف اليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة زوجها الأسير وسط العديد من زملائه، قبلما يغادرون سوريا الى اسرائيل برفقة رجال الصليب الأحمر. كانت هناك بالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة طبعت خصيصاً لأجل المهمة المحددة. وما إن قرأت أمينة الخبر، حتى لفها صمت غمس بالذهول، وقد جحظت عيناها لهول الصدمة والمفاجأة، وانطلق من جوفها صوت نحيب رتيب كأنه العواء. وليس هناك أبلغ مما كتبته بنفسها عن تلك اللحظة الخطيرة من حياتها