المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أشهـــر جاسوسـة عربية لدى الموساد .. ح (8) .


محمودالبدوي
05-12-2007, 10:33PM
الحلقه الثامنه :
وبداخل كهف السعرانة، شرع العقيد أبو الهول في استجوابها.
ورصت عدة مقاعد خشبية على شكل نصف دائرة يتصدرها القائد، بينما جلستأمينة على الأرض بلا قيود في وضع القرفصاء، حيث بدأت تعترف بقصة جسقوطها في شركالجاسوسية منذ البداية . . البداية الأولى في فيينا. وكانت خائرة تماماً لا تملكإلا قول الصدق . . كل الصدق أملاً في النجاة.
وجاء في ملف استجوابها أنه في يوم 12 أيلول "سبتمبر" 1975، الساعة الواحدة وخمس دقائق مساء، أُخضعت أمينة المفتي للتحقيق، وكاناستجوابها برئاسة العقيد أبو الهول، وبإشراف القائد محمد داود عودة " أبو داود" كمايلي:
اسمك بالكامل. . ؟
أمينة داود محمد المفتي.n
جنسيتك . . ؟
أردنية.n
تاريخ ومحل ميلادك . . ؟
بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963.n
والدكتوراة . . ؟
مزورة . . فأنا لم أكمل دراساتي العليا.n
أينومتى تم تجنيدك في الموساد . . ؟
أنالم أجند . لكنهم هددوني في فيينا في شهر مايو 1972.
كيف . ؟ نريد كل التفاصيل.
كنت أسعى للحصول على درجة الدكتوراة في فيينا. ولماnفشلت في ذلك تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد، هو في الأصل الشقيق الأكبرلصديقتي النمساوية سارة، وكنا قد ارتبطنا معاً بعلاقة حب.
تتزوجين من يهودي وأنت المسلمة . . ؟
كانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بإلحاح منه، ولمnأكن أعلم أن ذلك حراماً لأنني غير متدينة.
ألمتشكين في نواياه وهو يلح في الزواج منك . . ؟
لا . . مطلقاً . . فهو كان يحبني جداً ويسعى لإسعاديn .
هليعرف أهلك في الأردن بقصة زواجك من يهودي . . ؟
لا . . فقد عارضوني بشدة عندما أخبرتهم برغبتي فيnالزواج من نمساوي. وكنت قد كذبت عليهم وادعيت بأنه مسلم من جذور تركية. لذلك . . هربت مع موشيه الى إسرائيل خوفاً من أن تطاردني أسرتي.
وماهي قصة هروبكما هذه . . ؟
جائني موشيه ذات يوم - وكنا نعيش في وستندورف قبلماnننتقل الى فيينا – وبيده إحدى الصحف المحلية، وقال لي توجد بالصفحة التاسعة حكايةغريبة عن طبيب إيطالي، يغتصب مريضاته في حجرة العمليات بعد تخديرهن. ولما قرأتالصفحة لفت انتباهي إعلان بارز الى جوارها مباشرة، كان عن طلب طيارين عسكريينأوروبيين من اليهود للهجرة الى إسرائيل. وكانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة،فتكلمت مع موشيه وناقشت الأمر معه لكنني فوجئت به لا يكترث. فغضبت منه لأنه يعرفمدى خوفي من مطاردات أهلي لي، وحالات التوتر التي لا تكف عن إرهاق أعصابي ليل نهار،وكلما وجدته كذلك ازدتت إلحاحاً في مناقشة الفكرة معه، فقبلها بوقت ليس طويل كان قدحدثني عن رغبته في العمل كطيار مدني بإحدى الشركات الكبرى.
وبعدها بأيام انتقلنا الى شقتنا الجديدة بفيينا، إلاأنني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة. وكثيراً ما صحوت من نومي هلوعة مضطربة،وأجدني لا أهدأ إلا بعدما أبكي بحرقة، فكان حالي يؤرقه ويضايقه. ولما وافق علىمناقشة فكرة الهجرة لإسرائيل، سألني عن قناعتي فأجبته بأن إسرائيل هي المكان الوحيدالذي سأحس فيه بالأمان لأن أهلي لن يتوصلوا الي. فقال إنه يخشى أن يرفضوا طلبالهجرة لأنني مسلمة . . وأردنية، فقلت له وكيف نضمن الموافقة؟
فقال بأن تتهودي . . ولما وافقت اصطحبني الى معبدشيمودت حيث تم تعميدي وأصبحت يهودية.
قد استدل عليه
هلكنت تكرهين كونك عربية . ؟
كنت أكره مظاهر التخلف في بلادي.n
هلعدم اكتراث موشيه بالإعلان الذي جاء بالصحيفة يوحي لك بشيء الآن. . ؟
ربما كان يدفعني لأن ألح أكثر فأكثر . . أو أنه كانnيرغب العمل كطيار مدني .
هلموشيه كان يهودياً متديناً . . ؟ وهل كان يحب إسرائيل. . ؟
لا . . لم يكن متديناً. فنادراً ما كان يذهب الىnالمعبد. لكنه كان يحب إسرائيل ويفتخر بتلطف بتفوقها وتقدمها.
وسارة . . ؟
كانت مجنونة بإسرائيل، وتصطاف بها كل عام.n
هلاستدعتك جهات أمنية في فيينا قبل هجرتكما لإسرائيل . . ؟
لا .n
وهلنعم . اصطحبني ضابطان الى جهة أمنية لا أعرفها في تلnحدث ذلك في إسرائيل . . ؟أبيب.
ماذا حدث معك هناك . . ؟
برروا لي حروبهم مع العرب، وأنهم يدافعون عن وطنهمnولا يبغون عدواناً على أحد، وأنهم يسعون الى السلام.
هلاقتنعت . . ؟
كنت أقول لهم ذلك . . لكنني لم أكن مقتنعة بماnيقولون. "كانت تكذب . . فهي نسيت عروبتها وتحولت الى يهودية قلباً وقالباً . . ".
كممرة استدعيت لمكتب الأمن . . ؟
مرة واحدة . . لكن ضابطاً اسمه أبو يعقوب كان يزورناnدائماً ويجلس معي كثيراً ليؤكد تبريراته.
ماهو اسمك الرسمي في أوارقك الإسرائيلية . . ؟
آني . . آني موشيه بيراد.n
متىخبرت بسقوط طائرة زوجك موشيه بيراد . . ؟
في 11 أبريل 1972.n
منأخبرك . . ؟
أبو يعقوب.n
هلقال لك أنه مات . . ؟
لا . . أخبرني أن السوريين أسقطوا طائرته، ولمnيعلنوا بعد عن أسره، بما يعني أنه ربما هرب.
هلطلبوا منك التوجه الى سوريا ولبنان للبحث عنه . . ؟
ليس صراحة . . لكنهم أوحوا إلي أنه ربمnا التجأ الىأحد الكهوف الجبلية بسوريا في انتظار النجدة، أو أن إحدى المنظمات الفلسطينيةالمنشقة عن منظمة التحرير تحتفظ به سراً للمساومة عليه. ولما أنبأوني بأنهم يبحثونعمن يتقصى أخباره، طلبت منهم أن أقوم بنفسي بالمهمة، وعلى ذلك سمحوا لي بمغادرة تلأبيب الى فيينا بجواز سفري الإسرائيلي، والسفر الى بيروت من هناك كأردنية.
هلدربت على كيفية تقصي المعلومات للبحث عن زوجك . . ؟
لا . . هم فقط طلبوا مني الاحتراس والحذر.n
وكيف جندت بعد ذلك . . ؟
أنا لم أجند . . فقد استدعوني الى فيينا وتقابلت معnثلاثة إسرائيليين من جهاز المخابرات، أقنعوني بأنهم جاءوا لتسهيل إجراءات إرث زوجيوالتعويض الذي تقرر له.
صرفتعويض يعني أنه مات بالفعل. فعلام كان سفرك إذن لبيروت . . ؟
لم أكن أعرف ذلك بالضبط . لكنهم نصحوني بتقصي أخبارnالمنظمات الفلسطينية في بيروت فقد أستدل عليه.
تستدلين عليه في بيروت أم في دمشق . . ؟
من خلال المنظمات الفلسطينية في بيروت.n
ضمانات الولاء
وكيف تدربت للقيام بتلك المهمة. . ؟
لمدة شهر وأربعة أيام في فيينا علموني كيف أكتبnالرسائل بالحبر السري، وأظهر الرسائل الواردة الي منهم، وأساليب التشفير والتصوير،وتلقط الأخبار والالتزام بالحس الأمني، وتحميض الأفلام والهرب من المراقبة،والتمييز بين الأسلحة وأساليب إثارة المتحدث ليفشي أسراره. واستقدموا لي من إسرائيلأحد الضباط المتخصصين في تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام والأسماء والصور "الاعتراف بالتجسس واضح جداً هنا . . ".
إذنكان المطلوب منك تقصي أخبار الفلسطينيين وليس تقصي أخبار زوجك . . ؟
تقصي أخبار الفلسطينيين بغرض تسقط المعلومات منهم عنnموشيه. "وهنا كانت تحاول المراوغة".
هلحددوا لك مهام بعينها . . ؟
نعم . . طلبوا مني التحري عن مقار إقامة القادةnالفلسطينيين، والتغلغل داخل رجال المقاومة لمعرفة أخبارهم.
ماذا كانوا يريدون بالضبط . . ؟
كانوا يريدون معرفة الطريق التي يسلكها الفدائيونnللتسلل الى إسرائيل، وأعدادهم، وتدريبهم، وأسلحتهم، ومواعيد هجماتهم المرتقبة،وكذلك مخازن الأسلحة والإعاشة.
قلتإنهم هددوك في فيينا في مايو 1972 . . كيف . . ؟
قال لي أحدهم إنني الآن وحيدة لا حول لي، وأنnالمخابرات الأردنية تسعى ورائي، ولأنني أصبحت يهودية ومواطنة إسرائيلية، فهمسيعملون على حمايتي مهما كلفهم الأمر. فكان المطلوب مني أن أستغل هويتي الأردنيةللسفر الى بيروت حيث لن يشك الفلسطينيون بي.
فوافقت على التعامل معهم من أجل حمايتك أم لإنهاء موضوع الإرث والتعويض . . ؟
من أجل حمايتي . . فقد كنت خائفة من المخابراتnالأردنية. "!!"
لذلك تسلمت أربعة آلاف دولار فقط من الموساد وتنفقين من جيبك كل تلك المدة . .؟
. . . . . (!!).n
أينتدربت على استعمال اللاسلكي . . ؟
في تل أبيب.n
متى . . ؟
في الفترة من 20 سبتمبر الى 3 أكتوبر 1973.n
منقام على تدريبك . . ؟
ضابط مهندس اسمه يوسف بن بورات.n
هل 13 يوماً تكفي لتدريبك على استعمال اللاسلكي . . ؟
كان الجهاز تقنياً متقدماً جداً . . وبسيط في طريقةnبثه وإرساله.
ماسر صفحات المصحف الناقصة . . ؟
كانت توجد مكانها أوراق الشفرة.n
كيفتعرفت بمارون ومانويل . . ؟
عرفتني عليهما خديجة زهران.n
وكيف جندت الثلاثة لمعاونتك . . ؟
تعرفت أولاً بمانويل ثم جائني بمارون بعد ذلك .n .
هلمارسا الجنس معك . . ؟
نعم . . وكان ذلك قبل أن يعملا معي.n
هلنصحك ضباط الموساد بذلك . . ؟
لا . . فعلت ذلك لأضمن ولاءهما لي.n
هلخديجة زهران شريكة لك منذ البداية . . ؟
لا . . لم تكن تعرف بمهمتي إلا منذ فترة وجيزة.nلكنها ساعدتني قبل ذلك عن غير قصد.
كمأنفقت على شركائك الثلاثة من أموال . . ؟
لا أدري كم بالضبط. لكن مارون تسلم مني ما يزيد عنnالثلاثة آلاف ليرة قبلما ينضم لي.
تقصدين قبل أن يكتشف أنه يعمل لصالح الموساد. وماذا قدم لك مارون . . ؟
عرفني بـ علي حسن سلامة، وجاءني بأرقام التليفوناتnالسرية للزعماء الفلسطينيين.
كان يشاركه . وكان مارون مسؤولاً عنه.nومانويل . . ؟
ومادور خديجة معك . . ؟
كانت تمدني ببعض المعلومات التي تجلبها من زوجاتnالضباط الفلسطينيين من المترددات على محلها.
امرأة بلا وطن
هلطلب منك رجال الموساد اغتياله . . ؟
لا . . مطلقاً. لم يطلبوا مني ذلك . لكنهم أمروني أنnأوطد علاقتي به وأقوم بتصويره.
وهلفعلت ذلك . . ؟
نعم . . فهم كانوا يجهلون ملامحه وكانوا يلحون فيnذلك.
كمتقاضى منك أبو ناصر . . ؟
أبو ناصر . . ؟ إنه لا يعرف أي شيء. كنا أصدقاءnفقط.
هلمارس معك الجنس . . ؟
ثلاث مرات فقط ثم اختفى وعلمت بعد ذلك أنه سافرnللعمل في قبرص.
منهم الأجانب الخمسة الذين ضاجعتهم . . ؟
إنهم رجال من جنسيات مختلفة يعملون للموساد، وكانواnيجيئون إلي ليتسلموا الأفلام والخرائط التي بحوزتي.
هلتدلينا عليهم . . ؟
أنا لا أعرف أسمائهم الحقيقية، فهم يتعاملون معيnبأسماء حركية، ويتصلون بي دون أن أعرف مكانهم.
وأين كانت تتم لقاءاتكم الجنسية . . ؟
في شقتي ببيروت.n
هل بينهم عرب . . ؟
مغربي قال لي إن اسمه عازار وكان يعيش في تطوان.n
هلزرعت أجهزة تنصت بمكتب ياسر عرفات . . ؟
كانوا يفكرون في ذلك عندما كنت بإسرائيل . . لكننيnلم أفعل.
ماالدور الذي قمت به لمحاولة اغتيال القائد أبو إياد في أكتوبر 1973؟
أبلغت الموساد عن الموقع العسكري الذي كان يتفقده،nوقد كنت أحمل يومئذ جهاز اللاسلكي بحقيبتي، وأتابع عن قرب الطائرات الإسرائيلية وهيتضرب الموقع. "أجهشت بالبكاء" سيدي أبو الهول . . كنت لم أزل بعد غبية حمقاء، أجرمتفي حق وطني وعروبتي . . وديني. وارتكبت أفظع الجرائم لأنني كنت مهددة . . شريرة لاوطن لي. لقد صدقتهم وآمنت بما كانوا يقولونه دون أن أحترز أو أفكر . . وأتحسسالطريق الصواب، ولم يكن أمامي سوى الانصياع لأوامرهم خوفاً على حياتي. فهم زرعواالخوف بداخلي من المخابرات الاردنية . . لا . . بل ومن أجهزة المخابرات العربيةكلها التي تطاردني لتغتالني، ولم يكن لي مأوى سوى في إسرائيل. هكذا أوهمونيوأخافوني . . وكنت مغيبة الوعي لا أدري أين هي الحقيقة، أو لأي طريق أقاد.
سيدي . . لقد كنت أمدهم بالمعلومات ليس حباً فيإسرائيل أو كراهية بالعرب، بل لأجل أن أضمن وطناً يأويني ويحميني، بعدما ضيعت نفسيبغبائي . . ووقعت أسيرة مؤامرة أحبكت إسرائيل حولي شباكها بمساعدة سارة وموشيه. "أمينة هنا تحاول كسب عطف المحقق ليس إلا".
. . كان هذا ملخصاً شديداً ومختاراً لملف استجوابأمينة المفتي، الذي احتوى على اعترافات تفصيلية بعملياتها في بيروت، وبأسماءرؤسائها في الموساد، ودور كل منهم في إعدادها وتوجيهها، وكذلك عن دور أعضاء شبكتهاالمحليين الثلاثة الذين عاونوها في مهمتها التجسسية. حيث انتهى التحقيق المبدئيمعها الذي استمر ستة عشرة ساعة متواصلة، قبل انتهاء المهلة المتفق عليها بين أبوإياد ووزير الداخلية اللبناني بواحد وعشرون ساعة.
وفي صفحة منفصلة بمستهل الملف كتب العقيد أبو الهول : "الجاسوسة أمينة المفتي أُخضعت تماماً لسيطرة كاملة وقانعة بوجود زوجها موشيه حياً،وأنه أقدم على خداعها قصداً خمة للموساد".
لسعة
الخوف
حمل العقيد أبو الهول ملف استجواب أمينة المفتي الىقائده أبو داود، الذي خطط بمهارة للإيقاع بها، وبدوره وضع الملف الساخن أمام ياسرعرفات ومساعده الأول أبو إياد لتقرير مصيرها . . امتعض أبو إياد أسفاً وقال:
يالها من امرأة شريرة، لم تكتف بما فعلتهبنا فأرادت قتلى.
وربت على كتف رئيس مخابراته – علي حسن سلامة – وهويقول:
نشكر الله على أنك وفقت في كشفها، فوجود حية كهذه بيننا كان سيكلفنا الكثير.
أما ياسر عرفات – أبو عمار – فقد علق قائلاً:
لن تكف إسرائيل عن زرع الخونة بين صفوفنا، فلا تأمنواكل متطوع وافد، ولا تغرنكم حماسة الغرباء ، وقبل أن يشرق صباح الثالث عشر من سبتمبر 1975، كانت هناك ثلاث سيارات إسعاف تخترق شوارع بيروت، بداخل كل منها خمسة مسلحينأشداء من رجال المخابرات الفلسطينية – رصد – في مهمة جد خطيرة. تتجه السيارة الأولىالى شارع الخرطوم حيث يقيم مارون الحايك، وتتجه الثانية الى شارع أرواد عند سوقالطويلة حيث مانويل عساف أما الثالثة فكانت تقصد منطقة باب إدريس لاعتقال خديجةزهران. لقد استقل المسلحون الخمسة عشر سيارات الإسعاف بغية إتمام مهامهم بسلام، فيوقت كانت فيه بيروت أشبه بساحة حرب شاسعة، تشتعل بنيران الفتنة الطائفية كل بقعةفيها، إذ تحولت بيروت من الحب الى الحرب، وصار وطن الجميع مذبح الجميع. وامتلأ وجهالمدينة الجميلة بالندوب والتشوهات والجماعات المسلحة، التي بلغ عددها ما يزيد عن 39 تنظيماً. ففي بيروت الشرقية يتواجد الكتائب، ونمور الأحرار، وحراس الأرز،والطاشناق، والمردة. . الخ
وفي بيروت الغربية هناك المرابطون، ونسور الثورة،وحركة التحرير، وحركة صلاح الدين ، و . . طابور طويل من القبضايات المسلحة. لقد بداأن التعايش الطائفي لم يكن سوى نزاع مستمر وتراكم خفي للأحقاد، انفجر بشكل مذهل،وجرى التسابق بين الطوائف من أجل السيطرة السياسية للعائلات الروحية. واستمر الخلطبين السياسة والدين في ذهنية الفرد والجماعة، وتحولت لبنان الى مارونية عندالموارنة، وشيعية عند الشيعة، وسنية عند السنة، ودرزية عند الدروز، وحتى آخر طائفةصغيرة في لبنان. أما الفلسطينيون . . فقد ظلوا بعيداً عن رحى الحرب الأهلية،وتشغلهم المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني، وتنظيم صفوفهم من أجل استمرار الكفاح،والبحث عن خونة استباحوا أسرارهم وباعوها لليهود.
وعندما وصلت السيارة الأولى لمنزل خديجة زهران، كانتهناك مفاجأة مدهشة تنتظر الرجال الخمسة، إذ عثروا عندها على مانويل عساف عارياً فيفراشها، لم ينتبه لصوت فتح الباب بخفة ووقوفهم على رأسه، بينما كانت سيدة البيت فيالحمام، شغلها انسكاب الماء المنهمر على جسدها في البانيو عن معرفة ما يدور وراءالباب. لقد انهار مانويل لمرأى الرجال الخمسة، وأدرك في الحال ما جاءوا لأجله، أماخديحة فقد صرخت عندما فوجئت بأربعة منهم يسحبونها من حمامها الدافئ، ويسترون الجسدالعاري بشال أحدهم. ويأمرونها بارتداء ملابسها على عجل. انتهز مانويل عساف انشغالالأربعة، وعرقل زميلهم الخامس وجرى مسرعاً الى شباك الغرفة، وقبل أن يتمكن منالإمساك به قذف بنفسه من الطابق الخامس.
ووجد بجوار المنزل منكفئاً على بطنه، يرتدي روباً أحمربلا أزرار . . وجورباً قطنياً (!!) هكذا نأى بنفسه عن المصير الذي كان ينتظره . أمارفيقة مارون الحايك فقد استسلم خائراً وهو يرتجف رعباً وهلعاً، واقتيد مع خديجةزهران الى الجنوب بعيداً عن الحرب الأهلية، حيث الجوع والعطش . . وصراخات الخوفوالندم بكهف السعرانة الموحش . . الرهيب.
عالم غريب . . غريب
انكمشت أمينة المفتي في ذعر عندما علق رفيقاها فيالخيانة – مارون وخديجة – بسقف الكهف على مقربة منها، تنهال على جسديهما الكرابيجكالمطر، فيملأ صراخهما جوف الكهف، ويتموج صداه في تداخل يصم الآذان. لقد كانتعذيبهما بشدة أمراً حتمياً لقتل إرادتيهما، وللنأي بهما عن الكذب والمراوغة عندالاستجواب. فالمطلوب منهما هو الإفصاح عما نقلاه الى أمينة من معلومات، والاعترافعلى آخرين تعاونوا معهما. سواء أكان ذلك عفوياً، أم بنية القصد والتعامل بأجر. أماأمينة التي تهتك جسدها بفعل التعذيب، فقد رأى القائد أبو داود حرمانها من النوموالطعام، ومنحها قطرات قليلة من الماء تبلل بها حلقومها المتشقق، لتعترف خلالالاستجواب الثاني المفصل، بكل ما نفته من أسرار ومعلومات الى الموساد، ليتمكنالفلسطينيون من تعديل خططهم واستراتيجيتهم على ضوء ما تم نقله للإسرائيليين، وكذا . . تحليل نوايا العدو ومقاصده. فالمتعارف عليه أن أجهزة المخابرات في العالم أجمع،تعيد استجواب الخونة والمنشقين مرات ومرات، دون الاكتفاء بمرة واحدة، إذ إن القصدمن ذلك عصر العملاء وتفريغ ما بعقولهم، اعتماداً على الإرهاق البدني والمعنوي. فالاستجواب المتكرر يميط اللثام عن الكثير من الأسرار والخبايا، ويظهر صدق الاعترافمن عدمه بتكرار الإجابات نفسها. فالعقل البشري مهما لقن من معلومات مكذوبة لنيستطيع ترديده مرات ومرات دون خطأ، لكن هناك حالات شاذة جداً لجواسيس استطاعواالتماسك، والإصرار على صدق ما ادعوه حتى النهاية.
أشهرهم على الإطلاق جاسوس الموساد في القاهرة "وولفجانج لوتز" الذي اعتقل عام 1965 هو وزوجته وأخضع لتعذيب مكثف بما فيه حرمانهمن الإحساس وبلوغه حد الجنون، لكنه صمد وأصر على القول إنه ألماني، ولم تتكتشفحقيقته إلا بعدما عرضت إسرائيل مبادلته بأسرى مصريين عام 1967.
لقد كان من المهم إعادة استجواب أمينة المفتي، خاصةبعد إخضاع اعترافات مارون الحايك وخديجة زهران للتحليل الدقيق. فهي عميلة من نوعخاص، درست علم النفس وقرأت في فروع الفلسفة، بل وعشقت السوفسطائية ومحاورات سقراطالتي كتبها أفلاطون، وتحفظ مقاطع كاملة من محاوره أقريطون، وضبطت لديها كتب لسارتر،وديكارت، وفريدريك نيتشه وآخرين غيرهم . . فكانت قراءاتها التي هي مزيج من الثقافاتوالاتجاهات، أداة طيعة للدفاع والتماسك وانتقاء الألفاظ. لكن "أبو داود" الذي استعدلها جيداً، لم يكن ليصدق أبداً بعد ذلك، أن عميلة الموساد المدربة، والأكثر ثقافةوقدرة على الإقناع والمحاورة، استحضرت كل ما بجعبتها، وقذفت به أمامه دفعة واحدة،دون أن تدخر وسعاً لإخفاء أي شيء ولو كان تافهاً. ذلك لأنه أجاد بدراسته لشخصيتها،واختياره للأسلوب الأمثل هو ورجاله في التعامل معها، ألا وهو أسلوب الاقتناص الذييعرف في عالم المخابرات بالمباغتة، ويعتمد على دراسة علم الأسباب اعتماداً كلياًوهذا المنحى في خطط استجواب الخونة الذي اتبعه أبو داود ورجاله في المخابراتالفلسطينية، يدل دلالة قوية على عمق وعي رجال مخابراتنا العربية، وقدرتهم الفائقةعلى استغلال العلوم النفسية المعقدة في عملهم الشاق، للتعامل مع شتى أنواع الخونة،والعملاء المهرة الذين تدربوا في أكاديمية الموساد. وبينما كانت خديجة زهران تدليباعترافاتها، تفجرت مفاجأة عجيبة أدهشت ضباط رصد، عندما وقفوا على سر سقوطها فيشبكة أمينة التجسسية.

sayednow
05-12-2007, 10:43PM
شكراً جزيلاً لموضوعك يا محمودالبدوي...