المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أشهـــر جاسوسـة عربية لدى الموساد .. ح (4) .


محمودالبدوي
05-12-2007, 10:29PM
الحلقه الرابعه :
التليفون المجهول
بشارع كيريا في تل أبيب اجتمع عدد من الخبراء في مبنىالموساد، للوصول الى قرار حاسم بعودة أمينة الى بيروت من جديد، أو الاكتفاءبخدماتها وإبقائها في إسرائيل. لقد قرأوا جميعاً تقريراً وافياً عن العميلة الثائرة . . والتي صنفت من الفئة "أ" - وهذه الفئة من الجواسيس يتدرج تحتها كل من يعملون فيالبلاد العربية بدون أي غطاء دبلوماسي يحميهم – ووصف التقرير أمينة بأنها تعاني مناضطرابات شخصية، وتمتلك القدرة التي تمكنها من الانتقال من أحد جوانب الموقف الىجانب آخر، وهو ما يعرف في علم النفس باسم الاتجاه المجرد ABSTRACT ATTITUDE،وتتنامى لديها أعراض الكآبة نتيجة لومها الدائم لنفسها، باعتبار أن ما حدث لزوجهاكانت هي السبب فيه، وعندما تزداد الأعراض حدة تصبح أكثر اكتئاباً وتخوفاً، مما ينميمشاعر "الاتهام بالذات" S ELF CONDEMINATION - لديها – والمريض في هذه الحالة فييأس خطير لأنه مهموم بالماضي، ويحس أن لا أمل ألبتة في المستقبل بسبب الفعلة التيارتكبها. هذه المشاعر القلقة المحملة باليأس والبؤس، عادة ما تعتصر المريض، وقدتقوى عنده نزوة الانتحار. وأشار التقرير الى أن حالة أمينة هذه لا ينصح فيها بعلاجالعقاقير، حيث لن تنتظر التحسن طوال مدة العلاج، بقدر ما تشعر بالتحسن والهدوء فيعملها بالموساد. ففي ذلك إقناع لها على أن ما تؤديه من عمل، يمثل لديها قمة الثأرلما ارتكبته بحق موشيه. وبناء عليه . . رأى فريق من خبراء الموساد أن أمينة، ربماتشعر بالزهو E LATION في عملها، فتتخلى عن حذرها وتنكشف. لكن الأغلبية رأت أنهاجديرة بالعمل في بيروت، ومع حصولها على دورات تدريبية مكثفة، ستكون أكثر حذراً. . وإقبالاً . . وشغفاً. وانتهى الاجتماع بالموافقة على عودتها للبنان، وذل بعد موافقةريفي رامير رئيس الموساد. هكذا تحدد لها أن تستمر وتواصل توغلها بين القياداتالفلسطينية، وجاءوا بها الى المبنى المركزي حيث جلس اليها أحد كبار الرسامين، ومنخلال وصفها لعلي حسن سلامة، استطاع أن يرسم صوراً تقريبية له. وتعهد بها اثنان منالضباط الخبراء، أحدهما تولى تدريبها على استعمال أحدث ما ابتكره العلم في مجالأجهزة اللاسلكي. وتقرر لها بث رسائلها مرتين أسبوعياً يومي الخميس والاثنين، وتلقيالرسائل من تل أبيب كل ثلاثاء في الحادية عشرة ودقيقتين مساء. كانت أمينة طوال فترةتدريبها المكثفة في حالة سعادة غامرة. فهي ستزداد خبرة تمكنها من إجادة عملها،وبالتالي يكون انتقامها عظيماً فتستريح نفسها ويهدأ بالها.
وفي الثالث من أكتوبر 1973 غادرت تل أبيب الى فيينا،حيث تسلم منها عميل الموساد جواز سفرها الإسرائيلي، وسلمها الجواز الأردني مع تذكرةسفر الى بيروت فجر اليوم التالي. هذه المرة. . عندما دخلت شقتها في فيينا لتمكث بهاعدة ساعات، لاحظت أن ابتسامة موشيه لازالت مرتسمة كما هي. بل كانت نظراته أكثر بهجةواطمئناناً. وقبلما تغادر شقتها الى المطار بثوان.. انتفضت فجأة عندما دق جرسالتليفون، وتسمرت مكانها للحظة.. ثم اتجهت صوب الكابل فنزعته.. وانطلقت في شوقللعمل .. للثأر. تحمل بين أمتعتها جهز راديو يحمل ماركة عالمية معروفة، هو بالأصلجهاز لاسلكي أكثر تطوراً ولا يمكن اكتشافه. وبحقيبة يدها كانت تحتفظ بالمصحف الشريف . . وقد نزعت عدة صفحات منه واستبدلت بصفحات أخرى تحمل الشفرة.
نفيه شالوم
وما إن خطت أمينة عدة خطوات بمطار بيروت الدولي، متجهةالى حيث يتحرك السير بحقائب الركاب، حتى صدمت بشدة لمشهد شاب يقتاده رجال الأمن. وبينما تتابع المشهد . . فوجئت بيد قوية تربت على كتفها من الخلف. فصدرت عنها صرخةمكتومة هلوعة، وسقطت في الحال حقيبة يدها على الأرض. وأوشكت هي على السقوط. لكنهابكل ما تملك من قوة - تماسكت .. واستدارت لتصطدم بوجه صديقها مارون الحايك، تغطيوجهه نظارته الشمسية السوداء. . وينسدل شعره اللامع لقرب كتفيه. تنفست الصعداء . . وودت لو أن تصفعه بقوة . . وتظل هكذا تصفعه حتى ينقشع الخوف الذي حل بأعماقها منجديد، وأعادها الى تلك الحالة الأولى التي غادرت بسببها بيروت الىتل أبيب. وفيبشاشة مصطنعة سألته.
أوه . . أيها الماكر . . أكنت معي على اللوفتهانزا قادماً من فيينا . .؟
خلع نظارته مبتسماً وهو يضغط على كفها ضغطاً ذا مغزىوأجاب:
بحثت عنك كثيراً فيبيروت فلم أجدك . . وكنت أمني نفسي بأن نمضي معاً أسبوعاً خيالياً في نيقوسيا.
نيقوسيا . .؟ نطقتها وقد كست وجهها بالدهشة.
سألت عنك مانويل وخديجة وحارس البناية . .
ضاربة صدره بيديها وقد افتعلت التحسر:
مجنون . . مجنون . . (!!) لماذا لمتخبرني قبلها بوقت كاف. .؟ كم كنت مشوقة لرحلة كهذه معك.
غمز بطرف عينيه ضاحكاً وقال:
سنتدبر الأمر عما قريب أيتها الأنثى الشقية. أنظري .. ها هي حقائبي وصلت الآن.
ولأن لبنان بلد سياحي حر . . فأمور التفتيش فيالمطارات والمواني شكلية جداً. ولا تخضع لرقابة صارمة كما في سائر البلاد العربية،على اعتبار ان التدقيق الزائد يسيىء الى السواح .. الذين هم عماد الاقتصاد وأحدأسباب الرخاء. لذلك . . لم ينتبه رجال الجمارك لجهاز اللاسلكي المدسوس بحقيبةأمينة. فبيروت كانت في تلك الفترة في أوج انفتاحها. . وسوقاً رائجة لتجارة السلاح . . والمخدرات. . والرقيق الأبيض . . والجواسيس.
وفي الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر 1973، أطلقتأمينة أولى إشارات البث اللاسلكي الى تل أبيب: (آر. كيو. أر. وصلت بسلام. الأميرالأحمر في أوروبا. تعرفت بضابط فلسطيني يدعى أبو ناصر. وعدني مارون بأن يأخذني معهالى مبنى الهاتف المركزي. غادر جورج حبش الى تونس سراً. رجاله يقاتلون سبعة من رجالحواتمة. أبو عمار بالبيت مصاباً بالبرد. شحنة أدوية وصلت سراً من رومانيا للقيادة. يوجد نقص كبير في الأنتي بيوتكس. تحياتي. نفيه شالوم "واحة السلام").
استقبلت الموساد رسالة أمينة بشيء من الاطمئنانوالفرح. فالرسالة كانت واضحة الشفرة بلا أخطاء. والأخبار التي حوتها هامة جداًاستدعت دخولها الى غرفة التحليل والمتابعة على الفور. وسرعان ما تسلمت أمينة أولرسالة بثت اليها من إسرائيل: (تهانينا بالوصول. اهتمي بتحركات الأمير. أبو ناصرخبيث جداً فاحذريه. لا تهتمي بمارون الآن. من يطبب أبو عمار "عرفات". ماذا ببطنالباخرة كيفين في صيدا. نريد معلومات عن مخازن الأسلحة بمخيم البداوي في طرابلس. ومراكز التدريب الجديدة في قلعة شقيف).. وبينما تهيأت العميلة الاسرائيلية للتحرك . . مدفوعة بشوق جارف الى العمل. انطلقت شرارة الحرب وعبر المصريون خط بارليف المنيع،وعمت مظاهرات الفرح بيروت. وكما بكى رأفت الهجاء بكاءً مراً في إسرائيل إثر هزيمة 1967، انهارت أمينة المفتي في 1973. تناقض عجيب بين الحالين. فتلك هي النفس البشريةفي اندفاع الوطنية – أو الخيانة، الحب الجارف – أو الكره المقيت.
الحية الشوهاء
نشطت أمينة المفتي في عملها التطوعي كطبيبة عربية تجوبأنحاء لبنان، وجاسوسة إسرائيلية تمد الموساد بالمعلومات الحيوية عن تحركاتالفدائيين في الجنوب، الذين شحنتهم انتصارات الجيوش العربية فازدادوا استبسالاًوضراوة. وعاد علي حسن سلامة من أوروبا لترتيب خطط العمليات الجديدة. فالعدو فقدالسيطرة على نفسه . . وعلى اتزانه . . والضربات القوية تترك آثارها بوضوح على وجههالمشوه.
هكذا انطلق رجال المقاومة في الجنوب اللبناني يضربونفي العمق الاسرائيلي بلا كلل . . واستدعى ذلك من أمينة أن تترك بيروت الى صور. . ومعها جهاز اللاسلكي الخطير، حيث عكفت على بث رسائلها يومياً. . والتي وصلت فيأحيان كثيرة الى خمس رسائل مهددة حياتها للخطر. واضطرت الموساد أمام سيل رسائلهاالى فتح جهاز الاستقبال على التردد المتفق عليه، لساعات طويلة على مدار اليوم.
هكذا كانت أمينة المفتي تنتقم . وتفرغ شحنات غضبها فيرسائل يومية مبثوثة قد تعرضها للانكشاف والسقوط. لكنها لم تكن تستمع لنداءات الخوفأبداً. إذ اندفعت بجرأة أكثر، وحملت جهاز اللاسلكي في جولة لها بمنطقة بنت جبيل علىمسافة خمسة كيلو مترات من الحدود الإسرائيلية، هناك فوجئت ببعض زعماء الجبهاتالفلسطينية، برفقة أبو إياد (1) يتفقدون جبهة القتال ويصيحون في الجنود فيثيرونحماستهم. لحظتها .. تملكها الحقد والغضب .. وبمنتهى الجرأة اختلت بنفسها داخل أحدالكهوف.. وبثت رسالة عاجلة الى الموساد . (أي. كيو. أر. عاجل جداً وهام. أبو إيادوقيادات الجبهات في بنت جبيل. موقعهم مائة وخمسون متراً شرق القبة العلوية بجوارفنطاس المياه بين شجرتي الصنوبر. اضربوا الموقع كله ودمروا السيارات الجيبوالليموزين. سأكون على بعد معقول منهم. سأفتح الجهاز لأربعة دقائق. نفيهشالوم).
وجاءها الرد قبل ثوان من انتهاء المهلة: (ابتعدي عنالرتل وانبطحي أرضاً عند ظهور الطائرات). أغلقت أمينة الجهاز بعدما ترجمت الرسالة. واستعدت لتشهد بنفسها المجزرة. لكن يا لحظها السيء.. لقد لعب القدر لعبته وتحرك رتلالسيارات باتجاه الشمال. بينما وقفت عميلة الموساد تتحسر .. وتقلب عينيها في السماءبانتظار الطائرات. خمس دقائق تمر.. عشر دقائق.. عشرون دقيقة. لم تستطع الصبر ففتحتجهاز اللاسلكي وهي تلعن الانتظار وبثت رسالتها (آر.كيو.آر. تحرك الهدف الى الشمالطريق تبنين منذ 21 دقيقة. سيارة أبو إياد سوبارو سوداء. نفيه شالوم) وما إن بثترسالتها وأغلقت الجهاز، حتى لمحت طائرتي ميراج تطلقان صواريخ السيد وندر، والقنابلزنة الألف رطل. ورأتهما ترتفعان الى عنان السماء ثم عادتا للانقضاض من جديد وهذهالمرة بفتح خزانات النابالم الحارقة. كل ذلك وهي ما تزال بالكهف ترقب تناثر الأجسادالبشرية كالشظايا في الهواء، فيصدر عنها فحيحاً رهيباً كحية شوهاء، وتضحك فيهستيريا مجنونة مشبعة بالحسرة والشماتة. حسرة انعتاق أبو إياد ورفاقه، وشماتةالهزيمة لبضع جنود امتزجوا بالتراب والدم والسلاح.
هكذا حملت أمينة جهاز اللاسلكي بحقيبتها في تجوالهابالجنوب اللبناني، طوال معركة أكتوبر 1973، متنقلة بين المستشفيات الميدانيةوالمواقع العسكرية. . تسعف الجرحى من المصابين بداء وشاياتها. . وتستمد من الحقدجرأتها وقوتها. وكانت بذلك أول جاسوس للموساد يعمل بجرأة اسطورية داخل بلد عربي. لميفعلها إيلي كوهين الذي زرع في سوريا قبلها بسنوات قليلة، وكان مرشحاً لمنصب نائبرئيس الجمهورية السورية، برغم تجواله بين شتى الوحدات العسكرية والقواعد السرية فيالجولان، وإقامته المطولة بمنطقة الجبهة، بل إنه برغم حجم الثقة في نفسه، لم يحملأبداً جهاز اللاسلكي خارج المنزل. كان فقط يبث رسائله بشكل يومي الى الموساد. لميفعلها أيضاً المقدم فاروق ابراهيم الفقي، الضابط المخابراتي العسكري المصري الذيجندته هبة سليم، وتسبب في تدمير كل قاعدة عسكرية جديدة كان يتم بناؤها بمنطقةالقناة.
إذا كان يحتفظ بجهاز اللاسلكي بمنزله، ويبث للموسادأولاً بأول عن مواقع الصوراريخ والرادارات، والمطارات، لم تفعلها انشراح التيأنقذها السادات من الإعدام أيام كامب دايفيد، وكانت تجوب منطقة القناة مع زوجهاوأولادها كل يوم بحثاً عن الجديد. كانت أمينة المفتي أجرأهم جميعاً قلباً وأعصاباً. مدفوعة برغبة مجنونة في الانتقام والثأر، لا برغبة المغامرة.
تقولأمينة في مذكراتها التي بلغت صفحاتها ستمائة صفحة:
(منذ حملت معي جهاز اللاسلكي لأول مرة الى الجنوب،وشاهدت بنفسي هجوم الميراج الإسرائيلي على الموقع الفلسطيني، بغرض تدميره وتصفيةأبو إياد وأعوانه، وقد تملكني إحساس رائع بعملي. . إحساس بالزهو وجدت فيه لذة كبرىتفوق كل لذة. ومنذ تلك الحادثة في 11 أكتوبر 1973، وأنا أحمل الجهاز الصغيربحقيبتي، بجواره المصحف ذي الجراب والشفرة. كنت أكتب رسالتي أولاً على ورقة منزوعةمن بلوك نوت، ثم أقف بسيارتي في مكان أطمئن فيه من العابرين، وأسحب هوائي الجهازوأقوم بالبث لدقائق. أحياناً كثيرة كنت أبث الرسالة الواحدة مرتين للتأكيد، وأحرقالورقة وأعاود القيادة الى مكان آخر. وبفضل تصريح المرور الموثق، الذي وقعه عرفاتشخصياً، كنت أجوب بأمان شتى المواقع العسكرية الفلسطينية في الجنوب. وأطلع بنفسيعلى أنواع الأسلحة وكميات الذخائر بالمخازن، ومعسكرات التدريب السرية. لقد حالفنيالحظ كثيراً عندما وثق بي القادة الفلسطينيون، لأنني كنت أبدو متحمسة جداً لقضيتهم،وحقهم في الكفاح لاسترداد الأرض المغتصبة. للدرجة التي دعت أبو إياد لأن يطلب منيإلقاء خطبة حماسية في الجنود المعسكرين بالقرب من مخيم البرج الشمالي في الجنوب منصور. يومئذ . . ألقيت خطبة رائعة . . تتدفق منها الوطنية ومعاني العروبة. لقد أجدتتماماً عندما صعّدت من انفعالي فبكيت .. بكيت وأنا أصف مشاهد القتل والقصفوالانكساب على وجوه الأطفال اليتامى، بكيت حقيقة وأنا أحثهم على الانتقام والثأروالكفاح . . وما كنت أبكي إلا لفقد موشيه الحبيب . . وبرودة الحياة من حولي بدونه. والثورة المصطحبة بالغضب في أوردتي وشراييني. . ونبضي . . ضد هؤلاء الأوغاد الذينأذلوني . . وأترعوني كئوس الوحدة . . والصمت . . والعدم . كان انفعالي مثالياً، ظنالجنود والقادة أنه إيمان مني بقضيتهم . . فبكوا . . وعندما بحثت عن منديل بحقيبتياصطدمت يدي بجهاز اللاسلكي المغلق. . !!).
قانون العنف
انتهت حرب أكتوبر 1973 بوقف إطلاق النار، إثر مفاوضاتشرسة ورحلات مكوكية قام بها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي. وانعقد مؤتمرالقمة العربي في الجزائر، وتم التوصل الى صيغة رسمية تقدم بها السادات كانت مفاجئةللجميع، وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعبالفلسطيني، وموافقة مصر وسوريا – دولتا المواجهة - على قرار مجلس الأمن رقم 328الذي ينص على عودة السلام الدائم والعادل في الشرق الأوسط. ولم يرتح الجناح العسكريلمنظمة التحرير الفلسطينية لذلك على الإطلاق. وأقرت المنظمة مواصلة الكفاح المسلحبناء على رغبة "الثورة الفلسطينية". وفي 25 نوفمبر بدأ أول عمل فدائي فلسطيني، حيثتم اختطاف طائرة جامبو نفاثة تابعة للخطوط الجوية الهولندية KLM، كانت في طريقها منبيروت الى طوكيو مروراً بنيودلهي. تحمل على متنها 244 راكباً وثلاثة من الفدائيينالفلسطينيين الذين طالبوا بإطلاق سراح سبعة من زملائهم في قبرص، وألا تمنح هولنداتراخيص مرور لليهود السوفييت الذين في طريقهم لإسرائيل، ووعدت الشركة KLM - بألاتنقل سلاحاً لإسرائيل وانتصر الفدائيون انتصاراً مذهلاً، وتكررت عملية اختطاف طائرةأخرى لنفس الشركة بعدها بأيام. وفي 17 ديسمبر 1973 في مطار روما أطلق عدد منالفدائيين نيران مدافعهم الكلاشينكوف بصورة جنونية داخل صالة المطار المزدحمة. ويختطفون طائرة 707 تابعة لشركة بان أمريكان كانت راسية على الممر، وفجروا قنابلهمالفوسفورية بالطائرة فاحترق عدد كبير من الركاب، ثم جرى الفدائيون ومعهم بعضالرهائن واختطفوا إحدى طائرات شركة لوفتهانزا - بوينج 737 - والتي كانت على وشكالاقلاع، وحطت بهم في أثينا. . وكانت مطالبهم الإفراج عن زملاء لهم من منظمة أيلولالأسود. ومع بدايات العام الجديد 1974 - شكلت عدة منظمات فلسطينية ما يسمى بجبهةالرفض. وكان المتحدث الرسمي باسم الجبهة هو الدكتور جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية،وبطل عمليات خطف الطائرات الإسرائيلية الأول.
كانت الضغوط شديدة جداً على أمينة المفتي خلال تلكالفترة. فالعمليات الفدائية الفلسطينية أربكت إسرائيل وزعزعت أمنها تماماً. بلوأصيبت بالعدوان غالبية دول أوروبا المساندة لإسرائيل. فالفلسطينيون أرادوا الإعلانعن وجودهم بشتى الطرق، بما فيها العنف من خطف وتفجير. فالعدو لم يكن يملك سلاحاًأبداً سوى العنف. وإذا كانت إسرائيل اعتمدت العنف قانوناً لها، فالفلسطينيون أيضاًرأوا الحل في ذات السلاح. . دون غيره. . وكان لتسارع الأحداث والعمليات الفلسطينية،الأثر البالغ في انتشار سحب الخوف السوداء فوق رؤوس الاسرائيليين. وفقدت الموسادبذلك خاصية مهمة طالما التصقت بها، وهي أنها حامية الدولة. وسخر الجميع من هيبةالموساد التي سقطت . ومن الدكتور "إبريش فولات" صاحب كتاب "ذراع إسرائيل الطويلة" الذي قال: "إن الموساد أسطورة من الأساطير الخفية، إنها تجعل العدو يرتجف . . وتمنحالاسرائيليين القدرة على النوم في هدوء". "لقد انعكس الوضع الآن. . وأصبح الشعبالإسرائيلي كله يرتجف عند سماع أزيز طائرة، أو عند فرقعة إطار سيارة، أو انفجارعادم دراجة بخارية مسرعة". وانتقل الضغط العصبي الى أمينة المفتي في بيروت . . فالأوامر كثيرة والمطلوب منها كثير ويفوق الوصف . لذلك اضطرت للانتقال تماماً الىالجنوب اللبناني، واستأجرت شقة بمنطقة الشجرة في صور - على مسافة عشرين كيلو متراًمن الحدود الإسرائيلية - اتخذت منها مركز انطلاق لاستكشاف تحركات الفلسطينيين. واتصلت بأبو ناصر الضابط الفلسطيني الذي سبق أن حذرتها الموساد منه في أولى رسائلالبث اللاسلكية.
لقد استخدمت معه أسلوب "الإثارة". وهو أسلوب يدفعالمرء لأن يخرج ما عنده دون أن يطلب منه ذلك. واستطاعت أن تدفعه دفعاً لأن يفصح عنعملية فدائية ستتم في اليوم التالي داخل الأراضي الاسرائيلية.
صرخت وهي متهللة بالفرح: كيف؟ . . إنكم لشجعان حقاًعندما تنقلون عملياتكم الى قلب الدولة اليهودية . . لكن . . في ذلك خطر جسيم علىرجالكم. أجابها مزهواً بأن كل شيء معد، وتم التخطيط لكل احتمالات الطقس بدقةمتناهية. حاولت أن تعرف مكان الهجوم وكيفية التسلل، لكن الضباط الفلسطيني الحذر لميتفوه بأكثر من ذلك.
ولم تلح هي فربما يتشكك بها. وبثت رسالتها في الليلالهادئ الى الموساد: (آر. كيو. أر. عملية فدائية ستنفذ غداً داخل الأراضيالاسرائيلية. التسلل بطريق البحر. نفيه شالوم).
وفي اليوم التالي - 11 من أبريل 1974 - اقتحمت وحدة منرجال الكوماندوز مدينة كريات شمونة الاسرائيلية، وفتحوا نيران مدافعهم بكثافةفقتلوا ثمانية عشر إسرائيلياً وأصابوا أكثر من 48 بجروح، وصرح مسؤول فلسطيني: أنهذه ما هي إلا بداية حملة للقوى الثورية داخل إسرائيل، لإعاقة الحل السلمي العربي. كانت مفاجأة مؤلمة لأمينة وللموساد معاً. فالعملية الفدائية كانت ضربة شديدة في رأسإسرائيل. وتخوفت العميلة من أبو ناصر الخبيث الذي ضللها. . فاتصلت به لتهنئه بنجاحالعملية، وتلح عليه في الإكثار من مثلها. فطمأنها بأن هناك عمليات قادمة ستكون أكبر . . وأشرس.
وظلت تطارده مستخدمة أسلوبها في الإثارة الى أن نجحتفي دعوته لقضاء سهرة ببيتها. وهيأت له نفسها وأنواعاً عديدة من الخمر، حتى إذا ماتمكن السكر منه انطلق لسانه متباهياً بعبقريته العسكرية . . وكيف أنه جهز فريقاً منأكفأ رجال الكوماندوز، للتسلل الى داخل الحدود الاسرائيلية، لضرب مدينة نهارياالساحلية بالصواريخ. التقطت أمينة الخبر دون تعليق. وكل ما فكرت فيه لحظتئذ هو كيفتحتويه أكثر وأكثر فيزداد انطلاقاً. . وجوعاً. . فتتبعثر منه الأسرار وتندفع بعنفكالشلال. وما كان بيدها إلا أن تمثل دور العشيقة القلقة. واستحضار نبرة الدفءالمصطنعة والمشوبة بالخوف. لكنه . . وهو الغارق حتى نهايته في بحور اللذة . . لمتنفك عقد انطلاقه كلها فيعلن عن خباياه. . أو عملياته المرتقبة بالتفصيل. فكانحديثه المتقطع غامضاً.. مبهماً.. يفتقر الى معلومة واحدة مؤكدة.
هكذا تعلم أبو ناصر وتدرب في المخابرات العسكرية . . وأجاد الاحتماء بالحس الأمني العالي حتى في أقصى حالات ضعفه الانساني. واستشاطتالعميلة غضباً. . فالخبر هكذا يبدو ناقصاً جداً ومبتوراً وهي لم تعتد على ذلك. فقداعتادت جلب المعلومات والأسرار من مصادرها بدقة. لكنها صادفت رجلاً محصناً. . منيعاً . . يبخل بالكلام والكشف عن عمله. لذلك . . ما إن غط في نوم عميق حتى قامتالى حيث ملابسه في حذر بالغ . . وفتشت جيوبه حريصة على ترتيب محتوياتها. فمثل هذاالرجل الدقيق في عمله، يكون دقيقاً أيضاً في ترتيب مكتبه وملفاته. . وما بداخلجيوبه. وبينما تقلب أوراق محفظته الجلدية، استوقفتها وريقة كتب بها عدة كلماتمرعبة، أخرجتها عن حرصها فصدرت عنها صرخة سرعان ما حبستها بحلقومها . . وارتعشتيدها غصباً عنها وهي تكتب ما قرأته بورقة أخرى دستها بمخبأ سري داخل حذائها. وتمددتالى جوار النائم المكدود . . تردد كلمات الوريقة في أعماقها: "تل أبيب من 9 الى 25مايو / 500 كيلو TNT / ش بلفور، ش كيديم / ش أرليخ وأكليتوس / ثم اليركون ورعنان / عدد "5" فرق 17 فولكس سوبار وشفر / يافا".

اليوم المرير
وفي مبنى الموساد . . كانت الوجوه مرهقة . . خائفة . . متوترة. فالعمليات الفدائية اشتدت وطأتها . . والمعومات المتاحة بعيدة عن التفاصيل. ومنذ صدرت الأوامر لأمينة باستدراج أبو ناصر بحرص، كانت رسائلها تجيء مشوهة . . بخيلة . كأنما يتعمد الضابط الفلسطيني ذلك، وهو ما يعني أن العميلة وقعت تحت بؤرةالشك . . أو أنها انكشفت فعلاً . فخبر التسلل الأخير عبر البحر كان حقيقياً من حيثالتوقيت. . لا المكان. أما خبر عملية تل أبيب . . فكان أكثر شكاً . . وغموضاً. . ورعباً. بل هو الرعب نفسه . . والدمار كله لإسرائيل.
هكذا يمر الوقت ثميناً. . يحمل بين دقاته انفجاراتالموت البطيء. ورجال الموساد يقلبون الأمر في ارتباك، ويخضعونه للتحليل الدقيق. لكنهم عجزوا عن الوقوف على إجابات مقنعة. . وحاصرتهم تساؤلات محيرة أزادتهمإرهاقاً. . وجنوناً. . وإمعاناً في مزيد من الحرص . . صدرت الأوامر لأمينة بمغادرةصور الى بيروت فوراً. والتوقف نهائياً عن جلب المعلومات أو بث الرسائل. لكن العميلةالغاضبة العنيدة . . بثت رسالة اليهم قلبت الموازين كلها . . وأذهبت بعقول الكبارقبل الصغار في الموساد. إذ زفت اليهم أمينة خبراً عن تسلل سبعة فدائيين في غبشالفجر، يحملون أسلحة الـ آر.بي.جيه، ومدافع الكلاشينكوف القاذفة، والقنابلالهنغارية، وكميات من عجائن المتفجرات، بقصد تفجير مستعمرة جيشر هازيف (على بعد ستةكيلومترات شمالي نهاريا) بمناسبة عيد إسرائيل القومي. فانطلقت قوات الأمن تطوقالمستعمرة، وانتشرت نقاط التفتيش بكل الطرق، ومع أولى تباشير الخامس عشر من مايو 1974، كانت المعركة الشرسة قد بدأت، ولكن بمنطقة أخرى أبعد عن تصورهم . . وتوقعهم.
وكانت العملية هذه المرة في قرية معالوت. حيث حاصرالفدائيون السبعة القرية، وأمطروها بوابل من قذائفهم الصاروخية، وسيطروا تماماً علىسكانها والطرق المؤدية اليها، كما دمروا عدة سيارات عسكرية حاولت الالتفاف لعزلهمعن القرية. وبعد ستة ساعات ونصف أسفرت المعركة عن إصابة 117 إسرائيلياً بينهم 25قتيلاً . . ووقفت جولدا مائير أمام كاميرات التليفزيون في الكنيست وهي تكفكف دموعهاوتقول:
"اليوم . . عيد ميلاد دولتنا الخامس والعشرين . . وقدأحاله الإرهابيون الى يوم مرير بالنسبة لإسرائيل".
لم تنصت أمينة المفتي لأوامر رؤسائها في الموسادبالتوقف - مؤقتاً – عن العمل. فما كان ذلك إلا لأجل حمايتها، لكنها كانت ككتلةالثلج التي ذاب ما حولها، فهوت مندفعة لا يجرؤ إنسان على إيقافها . . أو التصديلها. كانت تحمل روحها على كفها. ولا تهتم بالخطر أو تحسب له حساباً. وفي لحظة . . استجمعت جرأتها في عنف . . وطلبت من مارون الحايك أن يزورها بشقتها في بيروت. فأسرعاليها يمني نفسه بوليمة فسق مثيرة، لكنه ما إن دلف الى الصالون، حتى وقف مذهولاً . . وقد تجمدت الدماء في عروقه . . وتعلقت عيناه الجاحظتان بنجمة داوود الزرقاء علىالحائط.
الشركاء
إجلس أيها الأبله . . (!!) قالتها أمينة في لهجة حاسمة ، مرعبة.
أنتِ . .؟!!
نعم . . إسرائيلية.
تلفت الرجل الهلع حواليه وهو يرتعد:
ماذا تريدين مني . . ؟
بدأنا المشوار معاً . . ولا بد أن نكمله معاً حتى النهاية.
مشوار . . ؟ معاً. . ؟ أنا لم أبدأ . . أنا لا أعرف . . أنا . . أنا . .
لاتكن مراوغاً أنها النتن، فأنت تعلم جيداً أنك تعمل معي لصالح الموساد. وحياتك وحياةاسرتك رهن إشارة واحدة مني.
يايسوع . . انقذني . . خلصني. .
وبينما جسده ينتفض كالطير المذبوح . . كانت تنثر أمامهعشرات الصور التي تجمعهما معاً في أوضاع فاضحة، وتفتح جهاز التسجيل ليجيء صوته وهويدلي بأرقام التليفونات السرية للقادة الفلسطينيين، فاقشعر بدنه وتصبب عرقاً. . وقال خاضعاً في صوت يسيل منه الرعب:
وماذا بيدي يا سيدتي . . ؟
الموساد تريد منك تعاوناً أكثر.
كيف . .؟
سأعرّفك.
أنلا أفهم بالسياسة.
ولكنك تحب الخمر والجنس والمال.
أناغبي . . تعس.
ستدفع لك الموساد مائتين وخمسين ليرة كل شهر.
أرجوك سيدتي . . الموساد . .؟
كلبمثلك يجب أن يكون وفياً لأسياده.
انفتح على حين فجأة باب إحدى الغرف . . فالتفت مارونوهو يرتعد . . وصدر عنه صرخة تفيض هلعاً عندما رأى ثلاثة رجال ذوي نظارات سوداءووجوه جامدة . . كانوا وقفوا متجاورين وأيديهم الى الخلف كالتماثيل. مرت ثوانكالدهر لم ينطق أحدهم بكلمة . . بينما مارون يتمتم بما يشبه البكاء.
ماذا تقول يا مارون . .؟ قالت أمينة بلهجة كالأمر.
ماذا تريدون مني؟
أتكره إسرائيل؟
أنالا أكره أحداً . . لا . . لا .. بل أكره عرفات . . نعم . . أكره عرفات ورئيسي فيالعمل . . ماذا تريدون؟
أولاً . . وقّع هنا . . إنه إقرار بالصداقة والتعاون.
تناول مارون الورقة وأراد قراءتها . . لكنها صرخت فيهبعنف، وقد انتهزت فرصة وقوعه تحت السيطرة والشلل العقلي الفجائي الذي أصابه، صفعتهبشدة على وجهه والشرر يتطاير من عينيها، فتملكه الفزع وقفز واقفاً يتحسس وجهه،فأطبقت على كل ما بقي لديه من إدراك وهي تهدده بأن فريقاً من الموساد يحاصر بنته . . ورصاص الفلسطينيين يتهدد صدره، وبحسم صرخت فيه أن يوقّع . . فوقّع على الورقةوالقلم يرتعش كالبندول بين أصابعه . وأردفت:
أريد زيارة الغرفة السرية بالسنترال المركزي التي حدثتني عنها. وسوف أقوم بالتناوب – أنا وأنت – بتسجيل المكالمات بين القيادات الفلسطينية ..!!
تسجيل . .؟
نعم . . ألم تسمع أيها الغبي عن العمليات الفدائية داخل إسرائيل. . ؟
أنالا أقرأ في السياسة . .
ولنتقرأ على قبرك: "طوبى للذي تختاره يا رب".
بإمكاني التنصت أثناء نوبات عملي ولكن . .
ستتعلم جيداً كيف تسجل المكالمات أنت ومانويل عساف.
مانويل . .؟
ألاتكفي مائة ليرة؟
مائة ليرة . . ؟
هويبيع امرأته بليرة.
. . . . . .
هذهمهمتك أنت . . ولا دخل لي بها.
كان المسكين كالفأر المذعور الذي وقع في المصيدة، سنوات طويلة من حياته مرت به وهو يستمرئ المغامرة ويستلذ اصطياد الفرائس. ولم يتوقع يوماً أن تجيء لحظة ينقلب فيها حاله، ويصبح هو الفريسة المرتجفة، بين يدي امرأة كانت الى عهد قريب ناعمة . . مثيرة . . رقيقة . . انقلبت فجأة الى وحش مسعور، تنبعث رائحة الموت في لفتاتها . . ويسمع له وقع في صوتها الشيطاني

sayednow
05-12-2007, 10:40PM
شكراً جزيلاً لموضوعك يا محمودالبدوي...