المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أشهـــر جاسوسـة عربية لدى الموساد .. ح (3) .


محمودالبدوي
05-12-2007, 10:19PM
الحلقه الثالثه :
الأمير الأحمر

كانت الحياة ببيروت في ذلك الوقت يونيو 1973 لها مذاقرائع. تماماً كالأطعمة المتنوعة من كل أنحاء الدنيا . ومع عطلة نهاية الأسبوع . . تزهو أجمل فتيات لبنان داخل الفنادق والأندية، يرتدين البكيني اللاصق، ويتلوينبتدله تحت أشعة الشمس حول حمامات السباحة، أو يلعبن الجولف والتنس، ويرقصن الديسكوويشتركن في مسابقات الجمال. وسط جو كهذا يموج بالمرح والحسن والشباب، اعتاد علي حسنسلامة أن يعيش بعض أوقاته، يرافقه أحياناً فتحي عرفات "شقيق ياسر عرفات" . . رئيسجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. ولما اختيرت جورجينا رزق ملكة جمال الكون، اختطفهاسلامة وتزوجا في حدث أكثر من رائع، مما جعله مطاردا دائماً من فتيات لبنان. لكنهكان مشبعاً بكل جمال الدنيا بين يديه. ولأن المخابرات الاسرائيلية كانت تجهل صورتهاو ملامحه، وفشلت كثيراً في اقتفاء أثره لاغتياله، خاصة بعد عملية ميونيخ بالذات،فقد كان المطلوب من أمينة المفتي التسلل الى مخبئه، والحصول على قوائم بأسماءقيادات وعملاء المخابرات الفلسطينية في أوروبا. فقد كان علي حسن سلامة – الأميرالأحمر - كما أطلقت عليه جولدا مائير، أحد مساعدي عرفات والمختص بحراسته، ثم أوكلاليه عرفات مباشرة بمهمة جديدة، وهي رئيس الأمن والمخابرات التابعة لمنظمة فتحوقوات الحرس الداخلي - التي يطلق عليها القوة 17 - وهي القوة التي أطلق عليها عرفاتاسم "المنتمين الى قيصر روما القديمة". والحصول عى القوائم السرية للقياداتالفلسطينية والأعضاء البارزين في المنظمات في أوروبا، أمر هام جداً ومطلوب لتفكيكأوصال القيادة في بيروت، وعزلها عن الآخرين في كل قارات العالم. وفي هذا إجابة عنسؤال: لماذا السطو على أوراقه بدلاً من اغتياله؟
هكذا كانت مهمة أمينة المفتي في بيروت . . مهمة حساسةللغاية . . لو استطاعت القيام بها فكل ميادين إسرائيل لا تكفي لوضع تماثيلها. وفيلقاء حميم بشقتها مع مارون الحايك، سألته عن عرفات وأبو إياد والغمري وغيرهم، فأجاببأنه يعرفهم جيداً، ولأيام طويلة ظلت تمنحه جسدها، وتنفق عليه بسخاء عندما أكد لهاأنه يعرف علي حسن سلامة، بل والفندق الذي يرتاده. فاصطحبته مراراً لفندق كورال بيتش "شاطئ المرجان" ليدلها عليه. لكن الأيام تمر والحايك يستمتع بجسدها وبأموالها دونأن يظهر لسلامة أثر.
تملكها يأس قاتم لفشلها، وفكرت كثيراً في مغادرة بيروتالى تل أبيب تتوجها الخيبة. لكن طرأت بخيالها فكرة جديدة عملت على تنفيذها بأسرعوقت. إذ انتقلت الى شقة أخرى بكورنيش المزرعة - وهي منطقة شعبية يرتادها التجار منقاطني المخيمات الفلسطينية في بيروت. وللوهلة الأولى . . أحست بتفاؤل كبير، بعدماتعرفت على ممرضة فلسطينية تدعى شميسة، تعمل بعيادة "صامد"(*) بمخيم صبرا. فقدمتهاشميسة، الى مدير العيادة، الذي أوضح لها أن العديد من الأطباء من كل دول العالم،يشاركون في علاج الفلسطينيين كمتطوعين. فعرضت عليه خدماتها التطوعية، وأطلعته علىشهاداتها المزورة فطلب منها الانتظار لعدة أيام ريثما يخبر رؤساءه. هؤلاء المتطوعونفي شتى المؤسسات الفلسطينية، يقابلهم ياسر عرفات، ويستعرض معهم المخيمات وملاجئالأيتام، والمؤسسات الصحية والهلال الأحمر، وأقسام الأجهزة التعويضية والعلاجالطبيعي والمعامل المركزية وبنك الدم. من هنا . . صادفت أمينة المفتي فرصة ذهبيةللامتزاج بالفلسطينيين، وبدأت مرحلة العمل التجسسي الأوسع.
رعشة اللقاء

ومساء 22 يوليو 1973 . . دق جرس التليفون بشقة أمينةالمفتي. وكان على الطرف الآخر مارون الحايك، الذي اسر اليها ببضع كلمات ألجمتها،فوضعت السماعة في توتر وأسرعت تفتح التليفزيون. لقد صدمها المذيع وهو يعلن نبأاعتقال ستة من رجال الموساد في أوسلو، بينهم امرأة، بتهمة قتل جرسون مغربي بالرصاصفي ليلها مر، ظنوا أنه الفلسطيني علي حسن سلامة. وقد اعترف المعتقلون بأنهم ينتمونالى الموساد، ويشكلون فيما بينهم فريقاً للقتل اسمه K IDON - الرمح – وجاءوا خصيصاًمن إسرائيل لتعقب سلامة واغتياله. ارتجت أمينة وتملكها الهلع على مصيرها. وتساءلت: لماذا يتعقبون سلامة لاغتياله. بينما طلبوا منها خلاف ذلك؟
كانت اللعبة أكبر بكثير من تفكيرها. فأمور السياسةوالمخابرات تتشكل وفقاً لمعايير أخرى . . وحسابات معقدة. ولأول مرة منذ فقدت زوجهاموشيه، تشعر برغبة أكيدة في الاستمتاع بالحياة . . وحاجتهات الى مذاقات النشوة التيافتقدتها. وأسرعت في اليوم التالي، برفقة مارون الى فندق الكورال بيتش، متلهفة الىالالتقاء بسلامة. ولكم أخذتها المفاجأة عندما أشار صديقها ناحية حوض السباحة قائلاًلها: أنظري . . إنه علي حسن سلامة.
كان حمام السباحة كبيراً، على شكل حدوة الحصان، يحيطبه مبنى أبيض اللون مكون من ثلاثة طوابق، تطل كل غرفه الخمس والتسعين على الحمام. ويفضل سلامة هذا الفندق لأنه مؤمن جيداً ويكشف المخاطر الأمنية؛ التي قد يتعرض لها. ومن الأمور العادية أن توجد ثلاث سيارات عسكرية حول الفندق لحماية الأمير الأحمر. حيث يقوم حراسه بتأمين موقف السيارات ومداخل الفندق وحدائقه. أما في الحجرة المطلةعلى حمام السباحة وهي بالدور الأرضي، فيكون سلامة دائماً بمفرده، يحمل مسدسهالأتوماتيكي المحشو، ولا يتغافل عنه أبداً.
كان سلامة في ذلك الوقت في الثالثة والثلاثين من عمره،رياضي . . وسيم . . أنيق. يصادق جورجينا رزق ملكة جمال الكون. وفي فتاة عمرها واحدوعشرون عاماً، تنحدر من مؤسسة المال المسيحية في بيروت لأب لبناني وأم مجرية. انتخبت في السادسة عشرة ملكة جمال لبنان. وبعدها بعامين ملكة جمال العالم. وكانتالوحيدة من بلاد العرب التي دخلت مسابقة "ميامي بيتش". وهكذا أصبحت جورجينا رزقأشهر امرأة في العالم، يحلم بها كل الرجال. وكان الجميع يريد التعرف على الفتاة ذاتالشعر الأسود الطويل، والعيون الخضراء، والفم الكبير، والجسد الأسطوري. حتى "جيميكارتر" - حاكم ولاية جورجينا وقبل أن يصبح رئيساً . . تحققت أمنيته وظهرت صورة لهمع ملكة الكون وهي ترتدي فستان السهرة الأسود العاري الأكتاف والصدر. لقد انشغلتجورجينا رزق بالفتى الوسيم مفتول العضلات ذو الجسد الرياضي الممشوق. وانشغل بها هوأيضا. وبرغم زواجهما إلا أنه لم يمانع من اختبار رجولته التي لا تقاوم مع نساءأخريات.
وها هي أمينة داود المفتي تقف أمامه . . ووجها لوجهبشكل لم يكن متوقعاً . . وحيث رتبت الموائد حول الحوض تحت المظلات الشمسية، جلستتراقب سلامة بحذر وهو يستحم، وعلى مقربة منه وقف رجلان من حراسه تنتفخ أجنابهمابالسلاح. رسمت أمينة صورته في خيالها، وداومت على زيارة الكورال بيتش مرتانأسبوعياً بشكل منتظم. وكانت كثيراً ما تلتقي بسلامة الذي اعتاد رؤيتها. . وابتسامتها.. وجمالها البسيط الهادئ. وذات مرة . . وصل سلامة الى الفندق. . واتجهالى الداخل حيث حجرته، لكنه عرج فجأة الى مائدة أمينة، وانحنى على ظهر المقعدالمواجه في أدب وسألها عدة أسئلة. . ثم سحب المقعد وجلس قبالتها لأكثر من نصفالساعة تقول أمينة في مذكراتها التي نشرت بعد ذلك:
" في ذلك اليوم الحار من سبتمبر 1973، تشوقت لترطيبجسدي في حوض السباحة بكورال بيتش، وبينم كنت أرفع كوب الماء البارد الى فمي، رأيتهأمامي . . إنه سلامة. سرت رعشة متدفقة بأوصالي عندما جاء الى مائدتي محيّياً. وبدأبأن عرفني بنفسه على أنه رجل أعمال فلسطيني، ثم سألني عن نفسي. وجلس الىمائدتيبعدما اكتشف أنني طبيبة أردنية متطوعة. ومنذ ذلك اليوم لازلت أذكر رعشة اللقاء . . وحديثه الرائع الذي جذبني اليه بكل كياني ومشاعري". .
في الدولشي فيتا

وبواسطة سلامة، انفتحت أمام أمينة المفتي كل الأبوابالموصدة. إذ أصبحت محل ثقة الفلسطينيين، وعلاقاتها بالقادة طالت ياسر عرفات نفسه. لقد استعادت حيويتها وثقتها بنفسها، وانخرطت في صفوف المقاومة تضمد الجروح، وتبثفيهم الحماس والاستماتة في الكفاح. وكانت زياراتها المتعددة لمخيمات اللاجئين فيالجنوب، تصحبها فيها مجموعات طبية من المتطوعين، تذكرة أمان لدخول كل المناطقالمحظورة. فكانت عيونها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها. وآذانها كانت أجهزة تسجيلمتطورة، وانقلب عقلها الى آلة جبارة من القوة بحيث لا يرهقها تزاحم المعلومات . . أو رسم الخرائط بدقة متناهية . . أو حفظ مئات الأسماء والمواقع . . أو تذكر أنواعالأسلحة وأساليب التدريب. لقد أدمنت استجلاء أوضاع الفلسطينيين، مستغلة ثقتهم بهافي إرسال المعلومات عنهم يوماً بيوم الى الموساد. كان المطلوب منها هو كتابة تقاريروافية، ووضعها في صندوق البريد "الميت"، أو تركها بسيفون حمام فندق الكورال بيتش. تقول أمينة في مذكراتها: (أذكر أنني في إحدى المرات . . كنت أحمل وثائق سريةوتقارير خطيرة. . وذهبت لمقابلة سلامة بالفندق. كانت حقيبتي مكتنزة بأربعة وعشرونورقة من أوراق البلوك نوت الكبيرة، عندما فاجأني سلامة بمجيئه مبكراً قبلما أتمكنمن الدخول بها الى الحمام. وكانت ورقة واحدة منها فقط، كفيلة بأن يفرغ سلامة رصاصاتمسدسه في صدري. لقد كنت أجلس اليه بأعصاب من فولاذ. . وعلى مقربة مني كانت زميلتي - وتحمل وثائق سفر قبرصية – تكاد تموت هلعاً).
هكذا عملت أمينة داود بحرية مطلقة في التجسس علىالقادة الفلسطينيين. . ورجال المقاومة . ولم تدخر وسعاً في البحث عن كل ما يهمالإسرائيليين في لبنان. لقد زارت ياسر عرفات بمكتبه ثلاث مرات، لتطلعه بنفسها علىالعديد من السلبيات التي واجهتها في الجنوب اللبناني، واهتم الزعيم بمقترحاتها وقدأفرد لها مساحة طويلة من الوقت للاستماع اليها. وأوصى في الحال بالتحقق مما قالته،وتلافي الأخطاء التي تعوق حركة المقاومة في الجنوب. فتقربت أمينة بذلك من الزعيمالفلسطيني، وأصبح مكتبه مفتوحاً دائماً أمامها.
وحدث أن كانت في مقهى "الدولشي فيتا"، حيث شاطئ الروشةالمتعرج الخيالي، حينما توقفت فجأة أمام المقهى سيارة جيب عسكرية، وتزل منها ثلاثةرجال فلسطينيين، اتجهوا مسرعين الى حيث تجلس تشرب القهوة، وقال أحدهم بحسم: نعرفأنك هنا . . وعليك مرافقتنا الآن. !
أسقط ما في يد أمينة، ولم تقدر على الوقوف. بينماالرجال الثلاثة ترسل عيونهم سهاماً من توتر.
زيارة الى العبد

كانت السيارة العسكرية تخترق شوارع بيروت بسرعة مذهلة،بينما كانت أمينة المفتي متكورة الى يمين السائق، تنتفض عروقها رعباً، ويرتعد بدنهاكله لهول النهاية. لم تسأل مرافقيها عن وجهتهم، أو لنقل إنها لم تجرؤ على ذلك. إذانحصر تفكيرها في تحين الفرصة المناسبة للبحث عن كبسولة سم السيانيد، التي خبأتهابين خصلات شعرها بواسطة شريط لاصق. فحتماً سيكتشف الجنود المدججون بالسلاح ذلكعندها سيضطرون الى تكبيلها بالسلاسل الحديدية، فتضيع منها فرصة الانتحار الوحيدة. تنبهت أمينة قليلاً وتعجبت، فالسيارة عرجت بها فجأة الى طريق مخيم شاتيلا. ترى . . هل أقام الفلسطينيون معتقلات الخومة بداخل المخيمات؟
هكذا تساءلت في نفسها، وقبلما تسعفها الإجابة انطلقصوت احد الجنود من خلفها، يحث السائق على أن يزيد من سرعته، فالجرحى الذين جيء بهممن الجنوب كثيرون. وعند هذه العبارة أفاقت أمينة تماماً، سألت الجندي عن الأمر،فأجابها بأنهم ضحايا إحدى الغارات الاسرائيلية على معسكر فلسطيني بالقرب من مفرقمخيم عين الحلوة - السيروب في صيدا. ونظراً للعجز الكبير في الأطباء المتطوعين،دلهم على مكانها مكتب المخابرات "الذي يترأسه علي حسن سلامة". فاستجمعت أمينة شتاتعقلها في صرخة مدوية:
غبي .. غبي.. كلكم أغبياء وتيوس أهكذا تستدعونضيوفكم؟
وبينما ينطلق صرخها بالسباب، وبأنها ستشكوهم لعرفاتشخصياً، كان الجنود يعتذرون لها . . ويلحون في ذلك أيما إلحاح. تلك الحادثة . . لمتسقط أبداً من ذاكرة أمينة. إذ زرعت لديها شعوراً قاتماً بالخوف في قدراتهاالتجسسية بين أناس يشكون في كل غريب وافد. لذلك، كان عليها أن تغسل الخوف الملتصقبها، وتتعاطى جرعات كبيرة من الهدوء، . . والتعلم، . . والحنكة.
وما كان يتأتى لها ذلك إلا في إسرائيل. هكذا أنهتعملها في مستشفى مخيم شاتيلا، واستأذنت في السفر الى فيينا لتسجيل اسمها لدى إحدىجمعيات الطفولة الدولية. وهناك . . في شقتها الخاوية بين الجدران الصماء والفراشالبارد، اهاجتها الذكريات فضربت عمق وعيها، وأخذت تطوف بالغرف من جديد تتحسسالأرائك والأدراج وأحذية موشيه القديمة، وتقلب صفحات الألبومات تتلاحق أنفاسها فياضطراب وشجن. وبكت كثيراً بين أحضان سارة بيراد شقيقة زوجها المفقود، وسافرت معهاالى حيث يقيم والدي موشيه في وستندورف، يجرعان الأسى ويعتصرهما المرار.
هناك. . تخلت أمينة عن أهم قواعد الجاسوسية، وهيالسرية المطلقة، وتفاخرت أمامهم جميعاً بأنها تثأر لموشيه كل يوم من القتلة العرب،وتنتقم منهم دونما رحمة أو شفقة. قصت عليهم أيضاً الكثير من أسرار عملياتها فيبيروت، وما كانت تعلم أن سارة المنخرطة في جماعات الهيبيز، تصادق شاباً فلسطينياًقتل اليهود والده، فهام يتيماً . . بائساً. . متسكعاً . . يجوب مدن أوروبا بلا هدف. . أو وطن. وبجواز سفرها الإسرائيلي، طارت أمينة الى تل أبيب تحمل جرعة هائلة منالغضب. . تدفعها بقوة لأن تستمر . . وتنطلق بكل كيانها لتثأر. . وتثأر . وفيمذكراتها عن رحلتها تلك الى فيينا قالت:
(اليوم – 18 سبتمبر 1973 – زرت شقتي بفيينا وأنا بطريقي لإسرائيل – كان جسدي يرتعش وأنا أصعد الدرج، وفشلت مرات في معالجة الباب. وعندما أضأت الأنوارواجهتني صورة موشيه الكبيرة باللباس العسكري. فمسحت زجاج الإطار وقبلته، وعلقت باقةمن زهور البانسيه التي يحبها الى جواره. لقد خيل الي أن ابتسامته الرائعة تفيضبالعتاب . . بل هي كذلك. فتذكرت . . يا لغبائي . . كيف دفعته بنفسي الى نهايته،عندما شجعته على الهجرة لإسرائيل. حاولت أن أستعيد ابتسامته فلم أنجح. لحظتها. . ركعت على ركبتي أمامه وأشجهشت بالبكاء. ورجوته بألا يولمني أو يغضب مني، فأنا أنتقمله . . وآخذ بثأره. ولن أهدأ حتى أشهد بنفسي بحور الدم المراق تعلوها الأشلاءالممزقة. وأرى ألف زوجة عربية تبكي زوجها، وألف أم فقدت أبنها، وألف شاب بلا أطراف. عندئذ فقط . . لمحت ابتسامته وقد ارتسمت من جديد، وأحسست كما لو أن يداه كانتاتحيطان بي . . !!).

يا للخائنة المحشوة حقداً، لم تكفها كل تلك الخياناتللدين والوطن، فطفقت تبحث عن المزيد والمزيد، الذي تطفئ به نيران الغضب المشتعلبعروقها. ولذلك. . كانت رحلتها الى إسرائيل، لتستمد الهدوء . . والتعلم . . والخبرة. ولكي تجيد فنون التجسس . . والانتقام.
التقاء الخونة

لم يكن لها في إسرائيل من أصدقاء، سوى نفر قليل منرجال الموساد، الذين فوجئوا بها وقد علتها مسحة قاتمة من الإرهاق. طلبوا منها أنتستريح بشقتها ريثما تهدأ. وحتى لا تزيدها الوحدة أرقاً، صاحبتها طبيبة نفسيةيهودية من أصل عراقي تدعى زهيرة. وفي شقتها بمدينة ريشون لتسيون (1). عملت زهيرةعلى تهيئتها للاندماج بالمجتمع الاسرائيلي، تمهيداً لاستقرارها النهائي، بما يعنيالاكتفاء بخدماتها السابقة كعميلة في الموساد.
لقد كانت مهمة زهيرة ألا تفاتحها في أمر إنهاء خدمتها،فهي ليست منوطة بذلك. ولكن تنحصر في إذابة جدران العزلة النفسية التي تحيطبالعميلة، بدمجها شيئاً فشيئاً باليهود العرب، وخلق محيط اجتماعي موسع من حولها. لقد حدثتها صديقتها الجديدة عن المهاجرين العرب من اليهود، الذين قدموا من شتىالأقطار المجاورة، وكيف استساغوا العيش في المجتمع الجديد المتحرر، وحدثتها كذلك عنبعض المسيحيين الذين فروا الى إسرائيل طلباً للحرية والأمن. ومن بين الذين ذكرتهم،النقيب الطيار منير روفه – الكاثوليكي العراقي – الذي فر لإسرائيل بطائرته الحربية (2).
وعندما أبدت أمينة رغبتها في لقائه، عرضت زهيرة الأمرعلى رؤسائها فجاءتها الموافقة. وتم ترتيب اللقاء بمنزل روفة بين زوجته وأولاده.
كانت أمينة في شوق بالغ للقاء الطيار الهارب، ليس لأنهعربي بل لتسأله عما يجول بخاطرها من تساؤلات قد تفيدها معرفة إجاباتها. وبابتسامةعريضة بباب منزلهما، رحب منير وزوجته بأمينة . . وقاداها الى الداخل. كان منير روفةفي ذلك الوقت في الثامنة والثلاثين من عمره، أسمر . . واسع العينين والجبهة . . غزته مقدمات الصلع. أما الزوجة مريم فكانت على مشارف العقد الرابع، طويلة. . ذاتشعر انسيابي طويل، وفم واسع. . فجاء . . لها صوت خشن. كانت مظاهر الثراء بادية جداًعلى المنزل وأهله. وبرغم ذلك جاءت مريم بالحلوى والشاي بنفسها. ولما سألتها أمينةممتنة على الخادمة، أجابتها المضيفة بأن المجتمع الاسرائيلي ما زال بحاجة الى تطوروينظر الى المرأة التي تجلب خادمةنظرة اتهام بالبرجوازية. لذلك فهي تقوم بمهامالمنزل بنفسها. أما منير . . فقال لها إنه مر بحياة عصيبة في البداية. حيث كان يجهلالعبرية وبلا عمل ولا أصدقاء. ويتابعه كظله رجلا أمن في الشارع والبيت. ثم عمل لبعضالوقت بجيش الدفاع، والآن يمتلك وكالة إعلانية كبيرة خاصة به اسمها الأضواء "الحانوكا"، وتعمل معه مريم كمديرة لمكتبه وللعلاقات العامة. ولما سألته أمينة: كيفيفشل طيار محترف في القفز إذا أصيبت طائرته في الجو؟ . . وهل الطائرة السكاي هوكالأميركية تتحول الى مقبرة لقائدها قبلما تسقط . .؟
كانت تريد إجابات محددة ومنطقية، فربما استمرت فيالتعلق بأمل عودة زوجها موشيه، أو بنسيان الأمر نهائياً. فضباط الموساد كانتإجاباتهم مبهمة ولا تحمل نفياً تاماً أو تأكيداً. وذلك ما يحيرها ويرهق عقلها - فأفاض منير روفة في الشروح . . وأوضح لها أن الطائرة سكاي هوك S KY HAWK-4H التيطار بها موشيه اعتمد تصميمها على حماية الطيار، وهي مزودة بكرسي قذف مزدوج، ويمكنإطلاقه من ارتفاع الصفر وبسرعة الصفر أيضاً - وهو كرسي قاذف من طراز دو جلاسأسكاباك A -C3 وكابينة القيادة بها مدرعة في المقدمة والمؤخرة والجانب الأيسر، وسمكالتدريع حوالي 18 مم. وأكد لها على أن زوجها موشيه إما أصيبت طائرته بصاروخ "سام 6"، وفي هذه الحالة ربما يكون أسيراً لدى السوريين، أو أن صاروخاً طراز ATOLL – جو / جو، أصاب به السوريين كابينة قيادته الفقاعية فانفجرت به الطائرة في الجو.
كانت إجابة روفة - الأكثر شروحاً - تعطى ذات الإجابةالتي سمعتها من قبل. فلا هو أوضح نافياً او مؤكداً. وبقي السؤال كما هو: هل موشيهبيراد ما يزال حياً في قبضة السوريين؟ أم انفجرت به الطائرة في الجو؟ . . وفيالحالة الأخيرة. . لا بد أن يعثر السوريون على بعض من أشلائه . . ومن ثم يعلنواالخبر . . وهو ما لم يحدث .!!.
الأفعى الغاضبة

عادت أمينة الى شقتها أكثر قلقاً . . وغضباً. يحفهاالإصرار على الانتقام لزوجها، لكن صدمتها كانت قاسية جداً، عندما زارها مسؤولبالموساد، وبعد حديث طويل عن فدائيتها الشجاعة فاجأها بقوله:
سيدتي – بعد هذا العناء الكبير . . يرى رؤسائي في الجهاز أنه من الواجب العمل علىإراحتك . . وحمايتك. وجئت اليك لأعرض رغبتهم في الوقوف على ما تريدينه، ولأطلعك علىالعمل الجديد الذي ينتظرك، وهو بلا شك عمل مثير ويتناسب مع. .
قاطعته أمينة قائلة:
أتقصد سيدي إنهاء عملي في بيروت؟
وجاء رده أكثر حسماً:
وفي الموساد سيدتي . . وسوف تحصلين على .
لم تتركه أمينة يكمل جملته إذ انطلقت بكل الغضب الكامنبأعماقها تقول:
لن أقبل ذلكأبداً . . فأنا ما جئت لإسرائيل هذه المرة إلا لأنني اهتززت قليلاً أمام موقفاستدعائي.
ولماذا هكذا تستغنون عن خدماتي لكم بسهولة؟، بالرغم منأنني فرصة ذهبية لا يجب أن تضيعوها. فأنا جئتكم بالكثير عن أخبار المقاومة التيتهدد مستعمراتكم في الشمال، وأطلعتكم على أشياء كانت غامضة لكم، كل ذلك دون أن أقبضمنكم سوى ألفي دولار.
أرجو أن . .
دعني أكمل من فضلك. هل تستطيع أن تؤكد لي أن أحد عملائكم جلس وتحدث مع علي حسنسلامة؟ أو أن أحدهم وصف لك مبنى قيادة المنظمة الفلسطينية من الداخل؟ أما أنا فقددخلت لمكتب عرفات. . وألتقي بسلامة مرتين أسبوعياً. وبواسطة جسدي هذا – (رفعتعباءتها فكشفت عن عورتها حتى لقرب صدرها) - جئتكم بالتليفونات السرية لكل القادةالفلسطينيين، ليتنصت جواسيسكم هناك عليها. وخلعت ثيابي لكل كلب نتن الرائحة فينتهكجسدي لأجلب كلم الأسرار . . والوثائق . . والمعلومات . . وفي النهاية تقولون ليببساطة: شكراً . . !!
سيدة أمينة . . نحن ما فكرنا إلا بحمايتك . . وما كنا سنبخس عليك حقك.
كانت أمينة ترتعد حقاً . . ويهتز بدنها كله وقد امتقعلونها . . واكفهر الوجه يغشاه اصفرار وهي تقول:
هلتستطيع أن تجيبني لماذا أنا في إسرائيل الآن؟ ألأنني لا أجد مأوى بين اهلي. أملأنني أحببت يهودياً وتزوجته؟ . . لا أقول ذلك لأنني أحسست بـ الندم.. لا .. فأنابعت الدنيا كلها من أجله.. بعت أهلي . . وديني.. ووطني لأكون معه. ولأنه مات .. فأنا لن أكف.. نعم.. لن أكف وهل أنا عبء ثقيل عليكم.
الأمر ليس كما تعتقدين سيدتي . .
أردفت أمينة وصوتها كفحيح الأفعى، ينفث الغضبوالكراهية كالسم:
أبلغ رؤسائك أنني لن أتوقف أبداً، حتى ولو أدى الأمر لأن أغادر إسرائيل الى الأبدوعندها قد أفكر . . وبعيداً عنكم .. بعملية انتحارية داخل مكتب عرفات شخصياً !!
انزعج الرجل .. وأسرع الى رؤسائه ينبئهم بالأمر . . وبلهجة الصدق والإصرار والغضب في صوتها. وكان لا بد من إيجاد حل وإلا فهناك كارثةمؤكدة قد تقع بين لحظة وأخرى. ففي الحال . . صدرت الأوامر للمطار بمنع آني موشيهبيراد – أمينة المفتي – من مغادرة البلاد.

sayednow
05-12-2007, 10:29PM
شكراً جزيلاً لموضوعك يا محمودالبدوي...