محمودالبدوي
05-12-2007, 10:18PM
الحلقه الثانيه
البحث عن المستحيل
أخضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبةرائد طيار في سلاح الجو الاسرائيلي. وفي آخر يناير 1973 طار بطائرته الـ سكاي هوكباتجاه الجبهة السورية، فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له، واعتبرمفقوداً منذ تلك اللحظة لأن سوريا لم تعلن عن أسر الطيار الاسرائيلي كما كان يحدث،لكنها أعلنت بأن الطائرة انفجرت في الجو وقائدها بداخلها.
لم تصدق أمينة الخبر، ولأيام طويلة تصرخ صرخات هستيريةلا تتوقف. وفي عيادة "كوبات حوليم هستدروت" للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها،أو لنقل إن صدمة الفاجعة ألجمت لسانها فصمتت.
وقبعت خلف زجاج حجرتها تنظر الى السماء، تزوغ نظراتهاأحياناً، وأحياناً أخرى تتبع العصافير في طيرانها ولهوها.
وبعد شهر ونصف تكلمت، ونطقت قائلة بأنها تشكك فيالبيان السوري، وبأن موشيه ما يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات. فهوي طيارماهر وقدراته عالية جداً.
وفي منزلها - وكانت برفقتها إحدى الأخصائيات النفسيات – كانت تحدث نفسها نهاراً بصوت مسموع، وفي الليل يسمع لها أنين خافت مليء بالوجع،هو مزيج متهالك من مشاعر الحسرة والضياع.
لقد صبت جام غضبها على العرب الذين أرهقوها في الأردن،وطاردوها في النمسا، وضيعوا حلمها في الاستقرار بإسرائيل.
إنهم آفة مستقبلها المظلم الآن، وسبب نكبتها وفجيعتهافي زوجها الشاعري المهذب. ولأنهم هدموا حياتها كلها، تمنت لو أنها تستطيع الانتقام،فها هي وحيدة يائسة بين أناس لا تعرفهم، بل وتجهل لغتهم العبرية وعاداتهم وطقوسهم. وعمداً تناست أنها هي التي دفعت بحياتها الى مستنقع الهاوية، عندما تزوجت من يهودي،ودفعته للهجرة الى إسرائيل خوفاً على حياتها، فقذفت به الى مصير مجهول، مماثللمصيرها.
وقبلما يحطمها الانتظار ويعتريها الجنون، تقدمت بطلبالى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر الى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها.
وما هي إلا أيام قليل حتى طارت بجواز سفرها الاسرائيليالى فيينا، فالتقت بأسرة موشيه الحزينة، ومكثت بينهم عدة أيام حاولت خلالها أنتتنسم عبير الحبيب المفقود، لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً بأطراف العاصمة. وفي الشقة التي شهدت أروع ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعدوالستائر والوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه واسطواناتهوأحذيته.
مجنونة تلك المرأة الملتاعة، التي لفظتها أرجوحةالثمالة الى جب الهاوية، فدوت صرخاتها تتردد في الأعماق لهفى الى الضياء والأمان،ويبث الصدى في شقوقه ألم الإنسان وظلمه لنفسه.
وبصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغاد الشقة،وحملت أمينة حقائب حزنها وتوجهت الى المطار. وبجواز سفرها الأردني طارت على أولرحلة الى بيروت.
وشارع الحمراء – أشهر شوارع بيروت - نزلت بأحدالفنادق. وفي رحلة تجوالها تعرفت على سيدة لبنانية - أردنية الأصل - تدعى خديجةزهران، تمتلك وتدير محلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرباليها، ودلتها خديجة على شقة صغيرة بحي عين الرمانة، انطلقت منها للبحث عن زوجها،وتسقط أخباره من الفلسطينيين ذوي الكثافة بالحي. وبعد رحلات عديدة بين بيروت ودمشق،فشلت أمينة في الوصول الى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قتل لا محالة. وغادرتبيروت الى فيينا تنخر بعقلها أحزان تقترب بها الى حافة الجنون، وتخنقها عبرات الأسىوالغربة، والفزع.
في المصيدة
في شقتها بفيينا، أيقظها اتصال هاتفي من تل أبيب، وفياليوم التالي استقبلت ثلاثة رجال عرفت منهم أنهم ضباط إسرائيليون، مهمتهم إنهاءإجراءات الإرث الخص بها، دون إثارة مشاكل مع أسرة زوجها أو الجهات الرسمية سواء فيالنمسا، أو في إسرائيل.
كان ميراثها وحدها مع التعويض يربو على النصف مليوندولار، مع الشقة الرائعة في ريشون لتسيون، وضمانات حماية وأمن فوق العادة.
لقد كان المطلوب منها أن تتعاون معهم لقاء ذلك، وتنفذما سيطلب منها بلا تردد. فبقياسات المخابرات، تعد أمينة المفتي كنزاً ثميناً لايقدر بمال. فهي امراة عربية فقدت وطنها وأهلها، وتعيش في وضع نفسي سيء مليء بالخوف،ولا مأوى لها سوى في إسرائيل. لكل تلك العوامل كان لا بد من استغلالها واستقطابها،بقليل من بث الكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها وقد كان يمثل لهاالأمن والحماية، وبالضرورة هي بحاجة ماسة الى الأمن والحماية من بعده.
لقد كانت رؤيتهم على صواب، فأمينة المفتي التي تحملالجنسية الأردنية، والنمساوية والاسرائيلية، لم تكن بحاجة الى كل هذا التخطيطوالتمويه لجرها الى عش الجاسوسية، والعمل لصالح الموساد ضد وطنها وشعبها.
إنها غارقة في الضعف، واليأس، والضياع. وبعدما باعتالدين والوطن فهي لا تملك أثمن منهم لتبيعه.
يقول الكاتب الأديب محمد حسين الألفي: (هناك دراساتعلمية أجريت مؤخراً، كشفت عن نتائج سوف تقلب تفكيرنا رأساً على عقب، فقد ظهر أنالخيانة في الدم، بمعنى، أن الناس يولدون والخيانة في دمهم . . أحد مكونات الدم) (*).
ومنذ البداية – لم تعر أمينة المفتي للشرف انتباهاً،إذ خلعت ثوب الشرق المحتشم، واستبدلته بغلالة الغرب عن طوع ورغبة. نازفة دماءعروبتها، وعقيدتها، وعفتها. لذا لم يكن من الصعب على الضباط الثلاثة إخضاعها،مستغلين ضعفها الإنساني ووحشتها، عازفين على أوتار كراهيتها للعرب، وللفلسطينيينعلى وجه الخصوص. إن الجاسوسية في عرف جهزة المخابرات لا تقر بمبدأ الرحمة، ولاتستجيب بأي حال لنداءات الضمير. إنه عالم عجيب مثير، يفتقد العواطف، ولا تصنفالمشاعر تحت سمائه. وفي دهاليزه المظلمة الغامضة، توجد هناك دائماً مساحة ضيقة منالطموح والجنون، وبقدر ما لدى الإنسان من رغبة محمومة في تحقيق احلامه، وتوهماته،تعميه الحقيقة المرة أحياناً عن معالم الطريق ويتحول لمخلوق مبصر يتحسس الخطى دونماتوقع لنواميس القدر.
فالنفس البشرية ما تزال تمثل لغزاً محيراً عجزت العقولعن تفسير بعض جوانبه، ولذلك، لا نندهش أمام تقلبات البشر، وجنوح العقول، وانحرافاتالأمزجة والسلوك.
تلك هي النفس البشرية ، لغز الألغاز، سرها لا يعلمهإلا خالقها سبحانه وتعالى.
هكذا سقطت أمينة المفتي في مصيدة الجاسوسية، وأسلمتقيادها للضباط الثلاثة، الذين أقاموا لها دورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعةأيام في شقتها بفيينا، تعلمت أثناءها أساليب التجسس المختلفة من تصوير، وتشفير،وتلقط الأخبار، وكيفية الالتزام بالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة.
دربوها أيضاً على كيفية تحميض الأفلام، والهرب منالمراقبة، واستخدام المسدس. واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقوية الذاكرة،وتخزين المعلومات والأرقام دون نسيانها. فكانوا يعرضون عليها مشهداً من فيلمسينمائي، ويطلبون منها الإجابة:
كمطبقاً كان على المائدة؟ ما لون ستائر الشباك؟ كم لمبة بالنجفة؟ كم عدد درجاتالسلم؟
أجادت آني داود دورتها الأولى في التجسس، وأصبحت أكثرإصراراً على الانتقام والتحدي، وعمل المستحيل للثأر لزوجها الذي فقد بالقرب منالجولان – والجنوب اللبناني، إنها تريد تأكيد حبها لموشيه، من خلال حبها للعمل معإسرائيل ضد العرب. ولم تعد تزعجها كثيراً هلاوس الليل عندما تحلم به يسعى في الجبالممزق الثياب، كث اللحية، غائز العينين، يناديها أن تنقذه. وكثيراً ما ترى جسدهممزقاً في قطع صغيرة، تلتهمها فئران الخلاء.
وغادرت فيينا الى بيروت هذه المرة . . لا للبحث عنزوجها، وإنما للانتقام له، مهمتها المحددة تقصي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية،ورجال المقاومة الذين يؤرقون أمن إسرائيل، ويحيلون ليلها الى نهار لشدة القصف . . والتفجيرات الفدائية.
كانت أيضاً مكلفة بالتحري عن مراكز إقامة قادةالمقاومة، والطرق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى الأرض المحتلة، أيضاً - التغلغلداخلهم لمعرفة أعداد الفدائيين، وتدريبهم، وتسليحهم. ومدى مهارتهم في التخفيوالمناورة، ومخازن الأسلحة والإعاشة.
وليمة فسق
وفي بيروت، استأجرت شقة بإحدى بنايات الروشة، أجملمناطق بيروت، حيث ترى الشاطئ المتعرج برماله البيضاء التي يتقاذفها البحر على ضفافاليابسة، وهو المشهد الذي وصفه الشاعر الفرنسي "لامارتين" بقوله: إن الطبيعة هنا . . بل كل شيء حولي أسمى من الخيال. لقد حلمت بجنة عدن . . لا . . بل لقد رأيتها". منشرفة شقتها كان أمامها البحر اللانهائي، وبقعتان من الصخور القاسية، هما صخورالروشة الشهيرة التي تكسر تلك اللوحة الناعمة وتزيدها جمالاً. وعلى بعد خطوات منهايقع مقهى الدولشي فيتا أشهر مقاهي بيروت، حيث المكان المفضل للفنانيين والمثقفينوالجواسيس والسياح. كان الشيء الوحيد الذي يضايقها، هو انقطاع الحرارة عن التليفون. لذلك . . زارت صديقتها الأردنية خديجة زهران، وطلبت منها المساعدة. في الحال اتصلتخديجة بمانويل عساف موظف التليفونات، الذي ذهب بنفسه الى أمينة في اليوم التالي،ليؤكد لها أن المنطقة تعاني من بعض الأعطال بسبب تجديدات بالشبكة، ووعدها بأنهسيسعى في القريب للتوصل الى حل. منحته خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى . . منحته جسدها أيضاً. إذ وجدت فيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لتليفوناتوعناوين القادة الفلسطينيين. لم تندم عندما باعت الدين والوطن والأهل. فلم تجدغضاضة وهي تبيع نفسها لمانويل، الذي خر مستسلماً أمام امرأة شابة بعينيها نداءاتجوع، تفوح من جسدها رائحة الأنوثة والرغبة؟ لقد شلت إرادته وأذهبت بعريها عقله،وحاصرته فلم يعد يملك حيلة للفرار. وأقبل عليها في شراهة ونهم، باعتقاده أنه أوقعبامرأة ظمأى. . بينما تصرفت هي كجاسوسة محترفة، بين أحضانه بدت في أقصى حالاتالضعف، لكنها كانت أبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة. هكذا تفعل النساء في عالمالمخابرات والجاسوسية . . فالجنس عندهن وسيلة فقط لا هدف.
صدمت أمينة بشدة عندما تبين لها أن مانويل لا يملك ما تريده، فهو مجرد موظف صغير لا يملك قراراً. فلم يتملكها الإحساس بالندم أو الحسرة، بل أقنعت نفسها بأنها فشلت في تجربة أولى . . وحتماً ستنجح في مرات مقبلة. حاول مانويل عساف الوفاء بوعده لتتوطد علاقته بالمرأة النارية، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارون الحايك – بيده كل شيء . لذلك . . صارحه بما حدث، واصطحبه الى شقة أمينة داود المفتي. كان مارون الحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته، منشغل بالتجسس على المحادثات التليفونية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردة والبحث عن صيد جديد. وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة من كنز معلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت. لذلك تركته بتناول معها وليمة فسق أتخمته، وأحاطت عقله بسياج من غباء. وبينما الجسد المنهد ساكناً . . أجاب عن أسئلتها . . وأطلعها – بعد عدة ولائم – على التليفونات السرية للمنظمات الفلسطينية، ولزعماء الجبهات وعناوين إقامتهم بحي الريحانة الشهير. وبواسطة صندوق بريد ميت، صبت أمينة كل ما تفوه به مارون في خطاب من عدة صفحات، تسلمه عملاء الموساد في بيروت. لتجيئها الأوامر بعد ذلك بالتحرك دون انتظار. فالمطلوب منها هو الحصول على القوائم السرية لرجال المخابرات الفلسطينية "رصد" في أوروبا وصفاتهم. ولن يتاح لها ذلك إلا من خلال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية – مكتب ياسر عرفات شخصياً، أو مكتب رئيس جهاز المخابرات علي حسن سلامة المطارد في كل مكان في العالم، والذي أطلقت عليه جولدا مائير لقب "الأمير الأحمر"، لأنه بطل عملية ميونيخ التي قتل فيها أحد عشر إسرائيلياً
البحث عن المستحيل
أخضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبةرائد طيار في سلاح الجو الاسرائيلي. وفي آخر يناير 1973 طار بطائرته الـ سكاي هوكباتجاه الجبهة السورية، فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له، واعتبرمفقوداً منذ تلك اللحظة لأن سوريا لم تعلن عن أسر الطيار الاسرائيلي كما كان يحدث،لكنها أعلنت بأن الطائرة انفجرت في الجو وقائدها بداخلها.
لم تصدق أمينة الخبر، ولأيام طويلة تصرخ صرخات هستيريةلا تتوقف. وفي عيادة "كوبات حوليم هستدروت" للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها،أو لنقل إن صدمة الفاجعة ألجمت لسانها فصمتت.
وقبعت خلف زجاج حجرتها تنظر الى السماء، تزوغ نظراتهاأحياناً، وأحياناً أخرى تتبع العصافير في طيرانها ولهوها.
وبعد شهر ونصف تكلمت، ونطقت قائلة بأنها تشكك فيالبيان السوري، وبأن موشيه ما يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات. فهوي طيارماهر وقدراته عالية جداً.
وفي منزلها - وكانت برفقتها إحدى الأخصائيات النفسيات – كانت تحدث نفسها نهاراً بصوت مسموع، وفي الليل يسمع لها أنين خافت مليء بالوجع،هو مزيج متهالك من مشاعر الحسرة والضياع.
لقد صبت جام غضبها على العرب الذين أرهقوها في الأردن،وطاردوها في النمسا، وضيعوا حلمها في الاستقرار بإسرائيل.
إنهم آفة مستقبلها المظلم الآن، وسبب نكبتها وفجيعتهافي زوجها الشاعري المهذب. ولأنهم هدموا حياتها كلها، تمنت لو أنها تستطيع الانتقام،فها هي وحيدة يائسة بين أناس لا تعرفهم، بل وتجهل لغتهم العبرية وعاداتهم وطقوسهم. وعمداً تناست أنها هي التي دفعت بحياتها الى مستنقع الهاوية، عندما تزوجت من يهودي،ودفعته للهجرة الى إسرائيل خوفاً على حياتها، فقذفت به الى مصير مجهول، مماثللمصيرها.
وقبلما يحطمها الانتظار ويعتريها الجنون، تقدمت بطلبالى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر الى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها.
وما هي إلا أيام قليل حتى طارت بجواز سفرها الاسرائيليالى فيينا، فالتقت بأسرة موشيه الحزينة، ومكثت بينهم عدة أيام حاولت خلالها أنتتنسم عبير الحبيب المفقود، لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً بأطراف العاصمة. وفي الشقة التي شهدت أروع ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعدوالستائر والوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه واسطواناتهوأحذيته.
مجنونة تلك المرأة الملتاعة، التي لفظتها أرجوحةالثمالة الى جب الهاوية، فدوت صرخاتها تتردد في الأعماق لهفى الى الضياء والأمان،ويبث الصدى في شقوقه ألم الإنسان وظلمه لنفسه.
وبصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغاد الشقة،وحملت أمينة حقائب حزنها وتوجهت الى المطار. وبجواز سفرها الأردني طارت على أولرحلة الى بيروت.
وشارع الحمراء – أشهر شوارع بيروت - نزلت بأحدالفنادق. وفي رحلة تجوالها تعرفت على سيدة لبنانية - أردنية الأصل - تدعى خديجةزهران، تمتلك وتدير محلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرباليها، ودلتها خديجة على شقة صغيرة بحي عين الرمانة، انطلقت منها للبحث عن زوجها،وتسقط أخباره من الفلسطينيين ذوي الكثافة بالحي. وبعد رحلات عديدة بين بيروت ودمشق،فشلت أمينة في الوصول الى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قتل لا محالة. وغادرتبيروت الى فيينا تنخر بعقلها أحزان تقترب بها الى حافة الجنون، وتخنقها عبرات الأسىوالغربة، والفزع.
في المصيدة
في شقتها بفيينا، أيقظها اتصال هاتفي من تل أبيب، وفياليوم التالي استقبلت ثلاثة رجال عرفت منهم أنهم ضباط إسرائيليون، مهمتهم إنهاءإجراءات الإرث الخص بها، دون إثارة مشاكل مع أسرة زوجها أو الجهات الرسمية سواء فيالنمسا، أو في إسرائيل.
كان ميراثها وحدها مع التعويض يربو على النصف مليوندولار، مع الشقة الرائعة في ريشون لتسيون، وضمانات حماية وأمن فوق العادة.
لقد كان المطلوب منها أن تتعاون معهم لقاء ذلك، وتنفذما سيطلب منها بلا تردد. فبقياسات المخابرات، تعد أمينة المفتي كنزاً ثميناً لايقدر بمال. فهي امراة عربية فقدت وطنها وأهلها، وتعيش في وضع نفسي سيء مليء بالخوف،ولا مأوى لها سوى في إسرائيل. لكل تلك العوامل كان لا بد من استغلالها واستقطابها،بقليل من بث الكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها وقد كان يمثل لهاالأمن والحماية، وبالضرورة هي بحاجة ماسة الى الأمن والحماية من بعده.
لقد كانت رؤيتهم على صواب، فأمينة المفتي التي تحملالجنسية الأردنية، والنمساوية والاسرائيلية، لم تكن بحاجة الى كل هذا التخطيطوالتمويه لجرها الى عش الجاسوسية، والعمل لصالح الموساد ضد وطنها وشعبها.
إنها غارقة في الضعف، واليأس، والضياع. وبعدما باعتالدين والوطن فهي لا تملك أثمن منهم لتبيعه.
يقول الكاتب الأديب محمد حسين الألفي: (هناك دراساتعلمية أجريت مؤخراً، كشفت عن نتائج سوف تقلب تفكيرنا رأساً على عقب، فقد ظهر أنالخيانة في الدم، بمعنى، أن الناس يولدون والخيانة في دمهم . . أحد مكونات الدم) (*).
ومنذ البداية – لم تعر أمينة المفتي للشرف انتباهاً،إذ خلعت ثوب الشرق المحتشم، واستبدلته بغلالة الغرب عن طوع ورغبة. نازفة دماءعروبتها، وعقيدتها، وعفتها. لذا لم يكن من الصعب على الضباط الثلاثة إخضاعها،مستغلين ضعفها الإنساني ووحشتها، عازفين على أوتار كراهيتها للعرب، وللفلسطينيينعلى وجه الخصوص. إن الجاسوسية في عرف جهزة المخابرات لا تقر بمبدأ الرحمة، ولاتستجيب بأي حال لنداءات الضمير. إنه عالم عجيب مثير، يفتقد العواطف، ولا تصنفالمشاعر تحت سمائه. وفي دهاليزه المظلمة الغامضة، توجد هناك دائماً مساحة ضيقة منالطموح والجنون، وبقدر ما لدى الإنسان من رغبة محمومة في تحقيق احلامه، وتوهماته،تعميه الحقيقة المرة أحياناً عن معالم الطريق ويتحول لمخلوق مبصر يتحسس الخطى دونماتوقع لنواميس القدر.
فالنفس البشرية ما تزال تمثل لغزاً محيراً عجزت العقولعن تفسير بعض جوانبه، ولذلك، لا نندهش أمام تقلبات البشر، وجنوح العقول، وانحرافاتالأمزجة والسلوك.
تلك هي النفس البشرية ، لغز الألغاز، سرها لا يعلمهإلا خالقها سبحانه وتعالى.
هكذا سقطت أمينة المفتي في مصيدة الجاسوسية، وأسلمتقيادها للضباط الثلاثة، الذين أقاموا لها دورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعةأيام في شقتها بفيينا، تعلمت أثناءها أساليب التجسس المختلفة من تصوير، وتشفير،وتلقط الأخبار، وكيفية الالتزام بالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة.
دربوها أيضاً على كيفية تحميض الأفلام، والهرب منالمراقبة، واستخدام المسدس. واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقوية الذاكرة،وتخزين المعلومات والأرقام دون نسيانها. فكانوا يعرضون عليها مشهداً من فيلمسينمائي، ويطلبون منها الإجابة:
كمطبقاً كان على المائدة؟ ما لون ستائر الشباك؟ كم لمبة بالنجفة؟ كم عدد درجاتالسلم؟
أجادت آني داود دورتها الأولى في التجسس، وأصبحت أكثرإصراراً على الانتقام والتحدي، وعمل المستحيل للثأر لزوجها الذي فقد بالقرب منالجولان – والجنوب اللبناني، إنها تريد تأكيد حبها لموشيه، من خلال حبها للعمل معإسرائيل ضد العرب. ولم تعد تزعجها كثيراً هلاوس الليل عندما تحلم به يسعى في الجبالممزق الثياب، كث اللحية، غائز العينين، يناديها أن تنقذه. وكثيراً ما ترى جسدهممزقاً في قطع صغيرة، تلتهمها فئران الخلاء.
وغادرت فيينا الى بيروت هذه المرة . . لا للبحث عنزوجها، وإنما للانتقام له، مهمتها المحددة تقصي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية،ورجال المقاومة الذين يؤرقون أمن إسرائيل، ويحيلون ليلها الى نهار لشدة القصف . . والتفجيرات الفدائية.
كانت أيضاً مكلفة بالتحري عن مراكز إقامة قادةالمقاومة، والطرق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى الأرض المحتلة، أيضاً - التغلغلداخلهم لمعرفة أعداد الفدائيين، وتدريبهم، وتسليحهم. ومدى مهارتهم في التخفيوالمناورة، ومخازن الأسلحة والإعاشة.
وليمة فسق
وفي بيروت، استأجرت شقة بإحدى بنايات الروشة، أجملمناطق بيروت، حيث ترى الشاطئ المتعرج برماله البيضاء التي يتقاذفها البحر على ضفافاليابسة، وهو المشهد الذي وصفه الشاعر الفرنسي "لامارتين" بقوله: إن الطبيعة هنا . . بل كل شيء حولي أسمى من الخيال. لقد حلمت بجنة عدن . . لا . . بل لقد رأيتها". منشرفة شقتها كان أمامها البحر اللانهائي، وبقعتان من الصخور القاسية، هما صخورالروشة الشهيرة التي تكسر تلك اللوحة الناعمة وتزيدها جمالاً. وعلى بعد خطوات منهايقع مقهى الدولشي فيتا أشهر مقاهي بيروت، حيث المكان المفضل للفنانيين والمثقفينوالجواسيس والسياح. كان الشيء الوحيد الذي يضايقها، هو انقطاع الحرارة عن التليفون. لذلك . . زارت صديقتها الأردنية خديجة زهران، وطلبت منها المساعدة. في الحال اتصلتخديجة بمانويل عساف موظف التليفونات، الذي ذهب بنفسه الى أمينة في اليوم التالي،ليؤكد لها أن المنطقة تعاني من بعض الأعطال بسبب تجديدات بالشبكة، ووعدها بأنهسيسعى في القريب للتوصل الى حل. منحته خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى . . منحته جسدها أيضاً. إذ وجدت فيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لتليفوناتوعناوين القادة الفلسطينيين. لم تندم عندما باعت الدين والوطن والأهل. فلم تجدغضاضة وهي تبيع نفسها لمانويل، الذي خر مستسلماً أمام امرأة شابة بعينيها نداءاتجوع، تفوح من جسدها رائحة الأنوثة والرغبة؟ لقد شلت إرادته وأذهبت بعريها عقله،وحاصرته فلم يعد يملك حيلة للفرار. وأقبل عليها في شراهة ونهم، باعتقاده أنه أوقعبامرأة ظمأى. . بينما تصرفت هي كجاسوسة محترفة، بين أحضانه بدت في أقصى حالاتالضعف، لكنها كانت أبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة. هكذا تفعل النساء في عالمالمخابرات والجاسوسية . . فالجنس عندهن وسيلة فقط لا هدف.
صدمت أمينة بشدة عندما تبين لها أن مانويل لا يملك ما تريده، فهو مجرد موظف صغير لا يملك قراراً. فلم يتملكها الإحساس بالندم أو الحسرة، بل أقنعت نفسها بأنها فشلت في تجربة أولى . . وحتماً ستنجح في مرات مقبلة. حاول مانويل عساف الوفاء بوعده لتتوطد علاقته بالمرأة النارية، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارون الحايك – بيده كل شيء . لذلك . . صارحه بما حدث، واصطحبه الى شقة أمينة داود المفتي. كان مارون الحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته، منشغل بالتجسس على المحادثات التليفونية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردة والبحث عن صيد جديد. وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة من كنز معلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت. لذلك تركته بتناول معها وليمة فسق أتخمته، وأحاطت عقله بسياج من غباء. وبينما الجسد المنهد ساكناً . . أجاب عن أسئلتها . . وأطلعها – بعد عدة ولائم – على التليفونات السرية للمنظمات الفلسطينية، ولزعماء الجبهات وعناوين إقامتهم بحي الريحانة الشهير. وبواسطة صندوق بريد ميت، صبت أمينة كل ما تفوه به مارون في خطاب من عدة صفحات، تسلمه عملاء الموساد في بيروت. لتجيئها الأوامر بعد ذلك بالتحرك دون انتظار. فالمطلوب منها هو الحصول على القوائم السرية لرجال المخابرات الفلسطينية "رصد" في أوروبا وصفاتهم. ولن يتاح لها ذلك إلا من خلال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية – مكتب ياسر عرفات شخصياً، أو مكتب رئيس جهاز المخابرات علي حسن سلامة المطارد في كل مكان في العالم، والذي أطلقت عليه جولدا مائير لقب "الأمير الأحمر"، لأنه بطل عملية ميونيخ التي قتل فيها أحد عشر إسرائيلياً